محمد سعيد رمضان البوطي

64

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية ، ومن مفضل على ذلك إشاعة القول بأنه صلّى اللّه عليه وسلم إنما تعلم القرآن ومبادئ الإسلام من بحيرا الراهب ، ومن قائل بأن الأمر ليس هذا ولا ذاك ولكن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان رجلا عصبيا أو مصابا بداء الصرع « 23 » . ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوغا لها إلا التهرب من الإقرار بنبوته عليه الصلاة والسلام ، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن ، في حديث الإمام البخاري . لماذا رأى رسول اللّه جبريل بعيني رأسه لأول مرة ، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحي من وراء حجاب ؟ لماذا قذف اللّه في قلبه عليه الصلاة والسلام الرعب منه والحيرة في فهم حقيقته ، وقد كان ظاهر محبة اللّه لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد ؟ لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثل له في الغار أتيا من الجن ، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكا أمينا من عند اللّه ؟ لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة ، وجزع النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بسبب ذلك جزعا عظيما حتى إنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال ؟ هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي ، ولدى التفكير في أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة ، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة . لقد فوجئ محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه ، وهو يقول له اقرأ ، حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مردّه إلى حديث النفس المجرد ، وإنما هي استقبال وتلقّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات . وضمّ الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة : اقرأ ، يعتبر تأكيدا لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر ، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط . ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى ، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدا إلى البيت يرجف فؤاده ، لكي يتضح لكل مفكر عاقل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن متشوفا للرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثّها في العالم ، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أو يخطر في باله ، وإنما طرأت طروءا مثيرا على حياته ، وفوجئ بها دون أي توقع

--> ( 23 ) راجع حاضر العالم الإسلامي : 1 / 38 و 39