محمد سعيد رمضان البوطي
376
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
قال : « أيها الناس إنا نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها ولا ألّم لشعثها من رأي اتفقت أنا وعمرو عليه ، وهو أنا نخلع عليا ومعاوية » ثم تنحّى وجاء عمرو فقام مقامه وحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « إن هذا قد قال ما سمعتم ، وإنه قد خلع صاحبه وإني قد خلعته كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه وهو أحق الناس بمقامه » . وتفرق الناس ، على إثر هذا ، كل إلى بلده . وأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بالخلافة ، وأما أبو موسى فاستحيى من علي فذهب إلى مكة . ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى عليّ فأخبراه بالأمر « 8 » . أمر الخوارج ومقتل علي رضي اللّه عنه : لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل ، اشتدّ أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ بل صرّحوا بكفره لقبوله التحكيم ، مع أنهم كانوا من أحرص الناس عليه . ولم يجد شيئا محاورة علي رضي اللّه عنه لهم ونصيحته إياهم ، فقال لهم أخيرا : « إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا » . ثم توجه عليّ رضي اللّه عنه بجيش كبير قاصدا الشام لحرب معاوية ، بعد أن أعلن عن رفضه لحكم الحكمين . . ولكن بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم ، وقتلوا فيمن قتلوا عبد اللّه بن خباب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وامرأته وهي حبلى ! . . وعندئذ خشي علي رضي اللّه عنه ومن معه إن هم ذهبوا إلى بلاد الشام واشتغلوا بقتال معاوية ومن معه أن يتسلط هؤلاء الخوارج على أهليهم وذراريهم بهذا الصنيع ، فاتفقوا مع علي رضي اللّه عنه أن يبدؤوا بهؤلاء . فاتجه إليهم عليّ رضي اللّه عنه بمن معه من أصحابه ، ولما قارب المدائن أرسل إلى الخوارج في النهروان : أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم ، حتى نقتلهم ، ثم إنا تاركوكم ، وسائرون إلى الشام فلعلّ اللّه أن يردّكم إلى خير مما أنتم عليه . فبعثوا إلى عليّ يقولون : كلنا قتل إخوانكم وإنا مستحلّون دماءهم ودماءكم ، وعندئذ تقدّم إليهم عليّ فنصحهم ووعظهم وأنذرهم ، فلم يكن لهم من جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن يتهيؤوا للقتال وللقاء ربّ العالمين . وقبل أن يبدأ القتال أمر عليّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية الأمان للخوارج ، وأن يقول لهم : من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن ، فانصرف منهم
--> ( 8 ) باختصار عن البداية والنهاية : 7 / 282 و 284