محمد سعيد رمضان البوطي

377

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

طوائف كثيرون ، ولم يبق منهم إلا ألف تقريبا يرأسهم عبد اللّه بن وهب الراسبي ، وكان الخوارج هم أول من بدأ القتال ، فقتلوا عن آخرهم ، وقيل أكثرهم . ولم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة نفر . ثم إن الأمور تنغصت على أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه ، واضطرب جيشه ، وخالفه كثير من أهل العراق واستفحل أمر الشام وصالوا وجالوا يمينا وشمالا ، كما يقول ابن كثير ، زاعمين أن الأمر استتبّ لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين ، هذا مع العلم بأن أهل الشام كلما ازدادوا قوة ازداد أهل العراق ضعفا وخذلانا ؛ ومع ما كانوا يعرفونه من أن أميرهم عليا رضي اللّه عنه خير أهل الأرض في ذلك الزمان ، أعبدهم وأزهدهم وأعلمهم وأخشاهم للّه عز وجل ، فقد خذلوه وتخلّوا عنه ، حتى كره الحياة وتمنى الموت . وحتى كان يكثر أن يقول : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لتخضبنّ هذه من هذه ( أي لحيته من رأسه ) فما يحبس أشقاها ؟ » . وكان عبد الرحمن بن ملجم ، وهو واحد من رؤوس الخوارج ، قد خطب امرأة يقال لها قطام فائقة الجمال ، وكان قد قتل أبوها وأخوها يوم النهروان ، فاشترطت عليه أن يقتل عليا رضي اللّه عنه ، فقال : واللّه ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل عليّ ، فتزوجها ودخل بها ، وأخذت تحرّضه على قتل عليّ رضي اللّه عنه . وفي ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان عام 40 للهجرة ، كمن عبد الرحمن بن ملجم - ومعه اثنان من أعوانه - مقابل السدة التي يخرج منها عليّ رضي اللّه عنه عادة ، وخرج كعادته يوقظ الناس لصلاة الفجر ، ففاجأه ابن ملجم وضربه بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي اللّه عنه . وقال لأصحابه ، وقد علم أن ابن ملجم هو الذي فعل به ذلك : إن متّ فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به . ولما احتضر رضي اللّه عنه جعل يقول : لا إله إلا اللّه ، لا يقول غيرها . وقد توفي عن ثلاثة وستين عاما . وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر . والذي رجحه ابن كثير أنه دفن بدار الإمارة في الكوفة ، وأكثر المؤرخين على أن أقاربه وأصحابه عمّوا قبره خيفة عليه من الخوارج ، والأقوال في مكان دفنه وأنه نقل إلى البقيع أو إلى أماكن أخرى كثيرة جدا . واللّه أعلم . أما ابن ملجم فقد تولّى قتله الحسن رضي اللّه عنه ، ثم أحرقت جثته بالنار « 9 » . العبر والعظات : أولا - هل كان بين عليّ رضي اللّه عنه وأولئك الذين كانوا يستعجلون في طلب الثأر من قتلة عثمان ، أيّ خلاف جذري في هذه المسألة ؟

--> ( 9 ) تاريخ الطبري 5 / 133 وما بعدها ، والبداية والنهاية 7 / 385 وما بعدها .