محمد سعيد رمضان البوطي
375
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
باسمه : هذا كتاب اللّه عز وجل بيننا وبينكم . فلما رأى ذلك أصحاب علي - وكان قد أشرفوا على النصر - اختلفوا : ففريق يقول نجيب إلى تحكيم كتاب اللّه ، وفريق يأبى إلا القتال لعلمهم بأن الأمر خدعة . . وكان هذا هو رأي علي رضي اللّه عنه . غير أنه اضطر أن يتبع رأي مخالفيه لكثرتهم . فأرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية يسأله عما يريد ، فكان جواب معاوية : لنرجع نحن وأنتم إلى كتاب اللّه ، ولنختر منا رجلا نرضاه ولتختاروا منكم رجلا ترضونه ، ولنأخذ جميعا العهد عليهما أن يحكما بما يأمر به كتاب اللّه ، فمهما قررا اتبعناهما جميعا ، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص ، واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري . فاجتمعت كلمة الفريقين - بعد أن كتبا بينهما كتابا بهذا الخصوص - على أن يؤجل البت في الأمر إلى شهر رمضان ، على أن يجتمع الحكمان عندئذ بدومة الجندل . ثم انفض الناس . ورجع أمير المؤمنين علي من صفين إلى الكوفة ، وقد تسرب الشقاق الخطير إلى جيشه ، ولما وصل علي رضي اللّه عنه إلى الكوفة ؛ اعتزله جماعة ممن رأوا التحكيم ضلالا واجتمعوا في حروراء ، وكانوا قرابة اثني عشر ألفا . فأرسل إليهم أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه عبد اللّه بن عباس ليحاورهم وينصحهم ، ولكنه لم يعد من سعيه معهم بأي طائل . . فخرج إليهم علي رضي اللّه عنه بنفسه . ولما اجتمع إليهم قال لهم : ما سبب خروجكم هذا ؟ قالوا : حكومتك يوم صفين ، قال : ولكني اشترطت على الحكمين أن يحيييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن . . قالوا : فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال : إنا لم نحكّم الرجال وإنما حكّمنا القرآن ، وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال . . قالوا : فلم جعلتم الأجل بينكم ؟ قال : ليعلم الجاهل ويثبت العالم ، ولعلّ اللّه يصلح بهذه الهدنة هذه الأمة . وعندئذ رجعوا إلى رأيه ، فقال : ادخلوا مصركم رحمكم اللّه ، فدخلوا عن آخرهم . ولما انقضى الأجل المضروب وحلّ شهر رمضان من السنة السابعة والثلاثين أرسل عليّ رضي اللّه عنه أبا موسى الأشعري في جمع من الصحابة وأهل الكوفة وأرسل معاوية عمرو بن العاص في جمع من أهل الشام ، واجتمع الفريقان في دومة الجندل ، وبعد أن حمدا اللّه وأثنيا عليه وتناصحا ، اتفقا على أن يدعى بصحيفة وكاتب وأن يمليا عليه ما قد يتفقان عليه . . ولكنهما لم يتفقا أخيرا على من يوليانه أمر هذه الأمة . فإن أبا موسى الأشعري رضي بخلع عليّ ومعاوية ، ولم يختر للخلافة إلا عبد اللّه بن عمر ، غير أنه رضي اللّه عنه لم يرض الدخول في هذا الأمر . وعندئذ اصطلح الحكمان على أن يخلعا عليا ومعاوية ، ويتركا الأمر شورى بين المسلمين ، ليتفقوا على من يختارونه لأنفسهم . ثم توجها إلى جموع الناس من الطرفين ، فقدّم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري ليعلن على الناس ما اتفقا عليه ، فتقدّم وحمد اللّه وصلى على رسول اللّه ، ثم