محمد سعيد رمضان البوطي

372

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير وجمع كبير من الصحابة . ولم يكن عمل هؤلاء ولا قصدهم سوى تذكير لأهل البصرة بضرورة التعاون لمحاصرة قتلة عثمان والثأر منهم . وعندئذ توجه جيش من قبل عليّ رضي اللّه عنه إلى هناك لإصلاح الأمر وجمع الكلمة . فتواجه الكلّ على ذلك الصعيد ، وليس في عزم أيّ منهم أن يبدأ قتالا أو يفجر فتنة . توجه القعقاع بن عمرو ، رسولا من قبل علي رضي اللّه عنه إلى عائشة قائلا : أي أماه ما أقدمك هذا البلد ؟ فقالت : الإصلاح بين الناس . ثم توجه إلى كل من طلحة والزبير فسألهما السؤال ذاته فقالا : ونحن كذلك ما جئنا إلا للإصلاح بين الناس . . وتكلم الجميع وتبادلوا الرأي واتفقوا على أن يترك الأمر بين يدي علي رضي اللّه عنه ، على أن لا يدّخر وسعا في إقامة حدّ اللّه على قتلة عثمان فور تمكنه من ذلك . ورجع القعقاع إلى علي وأخبره بما تمّ الاتفاق عليه ، وأشرف القوم على الصلح ، وخطب علي في الناس حامدا اللّه على نعمة الصلح والوفاق ، وأعلن أنه مرتحل من الغد . . « 3 » . ولكن فما الذي تمّ بعد ذلك ؟ ما إن أعلن عليّ رضي اللّه عنه الصلح والوفاق وأبلغ الناس أنه مرتحل من الغد ، حتى اجتمع رجال من رؤوس الفتنة فيهم الأشتر النخعي وشريح بن أوفى وعبد اللّه بن سبأ المعروف بابن السوداء وسالم بن ثعلبة وغلام بن الهيثم . . ولم يكن فيهم بحمد اللّه واحد من الصحابة ، كما قال ابن كثير ، فتذاكروا في خطورة أمر التصالح عليهم وأن اتفاق الصحابة يعني إحداق الخطر بهم . . وقال منهم قائل : فلنلحق إذن عليا بعثمان ! . . ولكن عبد اللّه بن سبأ سخّف هذا الرأي وحذّر منه ، ثم قال لهم : إن نجاتكم في مخالطة الناس ، فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ، ولا تدعوهم يجتمعون ! وسيمتنع من حولكم بالقتال ، دفاعا عن نفسه . . وتفرق رؤوس الفتنة بعد أن اتفقوا على هذا الرأي . وتوجه عليّ في اليوم الثاني مرتحلا ، وتوجه على أثره كل من طلحة والزبير ، وقد تأكد الصلح والاتفاق ، وبات الناس بخير ليلة ، وبات قتلة عثمان بشرّ ليلة . أما عبد اللّه بن سبأ وصحبه فقد اتفقوا على أن يثيروا الحرب من الغلس ويستدرجوا الناس إليها مهما كلف الأمر . ونهض هؤلاء المتآمرون قبل طلوع الفجر ، وهم قريب من ألفي رجل ، فانصرف كل فريق إلى قراباتهم ، فباغتوهم وهجموا عليهم بالسيوف ، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم ، وهبّ الناس من رقادهم إلى السلاح ، وقالوا : طرقتنا أهل الكوفة ليلا وبيتونا وغدروا بنا ، ظانين أنها

--> ( 3 ) البداية والنهاية : 7 / 239