محمد سعيد رمضان البوطي
373
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
خطة مدبرة من عليّ رضي اللّه عنه . وبلغ الأمر عليا وقال : ما للناس ؟ فتصايح من حوله : بيّتنا أهل البصرة وغدروا بنا . فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيل ، دون أن يعلم أحد بواقع الأمر وحقيقته . وكان طبيعيا أن تقوم الحرب على ساق وأن يتبارز الفرسان ، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفا ، والتفّ على عائشة ومن معها قرابة ثلاثين ألفا . هذا والسائبة أصحاب ابن السوداء قبّحه اللّه لا يفترون عن القتل ، ومنادي عليّ ينادي : ألا كفوا ، ألا كفوا ، فلا يسمع أحد « 4 » . وفي تلك الأثناء ، ومع شدّة الهرج والقتل ، كان إذا تلاقت الوجوه المتعارفة تحت مظلة الإيمان والمشدودة إلى صحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، تحاجزوا وكفّ كل منهم عن الآخر ، من أي الأطراف كانوا . روى البيهقي موصولا قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن القاضي يروي بسنده عن حرب بن الأسود الدؤلي قال : لما دنا عليّ وأصحابه من طلحة والزبير ودنت الصفوف بعضها من بعض ، خرج عليّ وهو على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فنادى : ادعوا لي الزبير بن العوام ، فدعي له الزبير ، فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابّهما . فقال عليّ : يا زبير نشدتك اللّه أتذكر يوم مرّ بك رسول اللّه ونحن في مكان كذا وكذا ، فقال : يا زبير ألا تحبّ عليا ؟ فقلت : ألا أحبّ ابن خالي وابن عمي وعلى ديني ؟ فقال : يا زبير أما واللّه لتقاتلنّه وأنت له ظالم . فقال الزبير : بلى ، واللّه لقد نسيته منذ أن سمعته من رسول اللّه ، ثم ذكرته الآن ، واللّه لا أقاتلك أبدا . ورجع الزبير على دابته يشقّ الصفوف . ولما سقط بعير عائشة رضي اللّه عنها على الأرض ، وحمل هودجها بعيدا عن ساحة الهرج ، جاء إليها عليّ رضي اللّه عنه مسلّما ومستفسرا عن حالها ، وقال لها : كيف أنت يا أمه ؟ قالت : بخير . فقال : يغفر اللّه لك . ثم جاء وجوه الناس والصحابة يسلّمون عليها ويطمئنون على حالها « 5 » . أمر معاوية ووقعة صفّين : رجع عليّ رضي اللّه عنه إلى الكوفة التي جعلها مقرّ خلافته ، وأرسل فور وصوله جرير بن عبد اللّه البجلي إلى معاوية بالشام يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس ، ويعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ؛ ولكن معاوية كان يرى أن بيعة عليّ لم تنعقد لافتراق أهل الحل والعقد من الصحابة في الآفاق ، ولا تتم البيعة إلا بهم جميعا ، فامتنع من الاستجابة لدعوته رضي اللّه عنه ، حتى يقتل قتلة عثمان ، ثم يختار المسلمون لأنفسهم إماما .
--> ( 4 ) تاريخ الطبري : 4 / 506 ، والبداية والنهاية : 7 / 240 ( 5 ) البداية والنهاية : 7 / 241