محمد سعيد رمضان البوطي
366
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
جاوز الحزام الطبيين وبلغ السيل الزبى . واللّه لإقامة على خطيئة يستغفر منها ، خير من توبة خوفا عليها . . وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرّ لنا بالخطيئة . ثم أخبره مروان أن بالباب جمعا من الناس ، ففوضه عثمان أن يخرج إليهم فيكلّمهم كما يشاء ، فخرج مروان وقال كلاما سيئا أفسد به ما أصلحه عثمان بحديثه إلى الناس ، فقد قال لهم فيما قال : « جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، اخرجوا عنا ، أما واللّه لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسوؤكم ولا تحمدون غبّه » . ولما علم عليّ بالخبر ، جاء مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له : « أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بتحويلك عن دينك وعقلك ؟ واللّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه . وأيم اللّه إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا بعائد بعد هذا لمعاتبتك » . فلما خرج عليّ دخلت نائلة على عثمان ، وكانت تسمع كلام عليّ له ، فقالت له : أتكلم أم أسكت ؟ فقال تكلمي . قالت : سمعت قول عليّ أنه ليس يعاودك ، وقد أطعت مروان حيث شاء . قال : فأشيري عليّ . قالت : تتقي اللّه وحده لا شريك له ، وتتبع سنّة صاحبيك من قبلك . فإنك متى أطعت مروان قتلك . ومروان ليس له عند اللّه قدر ولا رهبة ولا محبة . فأرسل إلى عليّ فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى . فأرسل عثمان إلى عليّ ، فأبى أن يأتيه . وقال : لقد أعلمته أني لست بعائد . كان هذا الموقف بداية العقدة التي أشعلت نيران الفتنة ، ويسرت للمختبئين والمتربصين ، سبيلا وأي سبيل لإذكاء وقودها ، والوصول بها إلى أسوأ المآرب المطلوبة . أول الفتنة ، ومقتل عثمان : تولى عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة ، لا ينقم الناس عليه شيئا ، بل كان أحب إلى كثير من القرشيين ، من عمر بن الخطاب ، لأن عمر كان شديدا عليهم ، أما عثمان فلان لهم وواصلهم . . ولكنهم تغيروا له لما أخذ يستعمل أقاربه وأهل بيته - كما سبق أن أوضحنا - . وكان يتأول عثمان في ذلك صلة الرحم التي أمر اللّه بها ، وقد انتهى هذا الأمر بمقتل عثمان رضي اللّه عنه . وقد أخرج ابن عساكر عن الزهري قال : قلت لسعيد بن المسيب ، هل أنت مخبري كيف قتل عثمان ؟ وما كان شأن الناس وشأنه ؟ فقال ابن المسيب : قتل عثمان مظلوما ، ومن قتله كان ظالما ، ومن خذله كان معذورا . ثم إن ابن المسيب قصّ على الزهري أسباب مقتله وكيفية ذلك ، ونحن نذكره هنا مختصرا : جاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح ، فكتب عثمان إليه كتابا ينصحه ويتهدده فيه . فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وأغلظ في معاملة من ذهبوا فشكوه . .