محمد سعيد رمضان البوطي
367
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ثم إن كبار الصحابة ، كعليّ وطلحة وعائشة ، اقترحوا على عثمان عزل ابن أبي سرح وأن يولّي على مصر غيره . فقال لهم : اختاروا رجلا أوليه مكانه . فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر ، فكتب عثمان عهدا بذلك وولّاه ، وتوجّه معه عدد من الأنصار والمهاجرين إلى مصر لتنفيذ الأمر وفيهم محمد بن أبي بكر . فلما كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة ، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبطه ويستعجله . فاستوقفه أصحاب رسول اللّه وقالوا له : ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب ؟ فقال لهم : أنا غلام أمير المؤمنين وجّهني إلى عامل مصر ، ولما قيل له : غلام من أنت ؟ تلعثم وأخذ يقول مرة : أنا غلام أمير المؤمنين ، ويقول أخرى : أنا غلام مروان . . ثم استخرجوا من أمتعته كتابا ، فجمع محمد بن أبي بكر من كان عنده من الأنصار والمهاجرين وغيرهم ، ثم فضّ الكتاب بمحضرهم فإذا فيه : إذا أتاك محمد وفلان وفلان . . فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه ، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي واحبس من يجيء إليّ يتظلم منك . فرجع هؤلاء الصحابة بالكتاب إلى المدينة ، وجمعوا طائفة من أبرز رجال الصحابة وأطلعوهم على الكتاب وقصة الغلام ، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان . . فلما رأى علي رضي اللّه عنه ذلك دعا بعضا من كبار البدريين منهم طلحة والزبير ، وسعد وعمار ، ودخل بهم على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير . فقال له علي : هذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم . قال : والبعير بعيرك ؟ قال : نعم . قال : فأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به . قال له علي : فالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم . قال : كيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به ؟ فحلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط . ثم نظروا في الخط ، فعلموا أنه خط مروان ، فسألوه أن يدفع إليهم مروان ، فأبى . وكان مروان عنده في الدار . فخرج الجمع من عنده غضابا ، وعلموا أن عثمان لا يحلف كاذبا ، إلا أنهم غضبوا من عدم تسليم عثمان مروان لهم . وانتشر الخبر في المدينة ، وأقبل الناس فحاصروا عثمان ومنعوه الماء ، ولما اشتدّ به وبأهله الظمأ أشرف عليهم قائلا : ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء ؟ فبلغ الخبر عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء ، فما كادت تصل إليه إلا بجهد . وبلغ عليا أن في الناس من يريد قتل عثمان ، فقال : إنما أردنا منه مروان ، فأما قتل عثمان ، فلا . وقال للحسن والحسين : اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان ، فلا تدعا أحدا يصل إليه ، وفعل مثل ذلك عدد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وتزاحم الغوغاء على باب عثمان يريدون الوصول إليه لقتله ، فيصدهم عن ذلك السبطان ومن معهما من بعض الصحابة .