محمد سعيد رمضان البوطي
365
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أميّة ، وقد اقتضى ذلك أن يعزل عددا من الصحابة من وظائفهم ليحلّ محلّهم من يفضله من ذوي قرابته . وقد جرّت عليه هذه السياسة نقمة كثير من الناس ، وكان ذلك هو المنطلق والمعتمد الأول لليهودي المعروف عبد اللّه بن سبأ وأعوانه ، في بثّ أسباب الفتنة وإيقاد نيرانها . وروى ابن كثير ما خلاصته أن جمهورا من أهل الكوفة ثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة ، وتألبوا عليه ، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتوظيف جماعة من بني أمية في مكانهم . فدخلوا عليه وأغلظوا عليه في القول . . فشقّ ذلك على عثمان وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده يستشيرهم . فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام ، وعمرو بن العاص أمير مصر ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب ، وسعيد بن العاص أمير الكوفة ، وعبد اللّه بن عامر أمير البصرة ، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة . . وأدلى كلّ برأيه . وانتهى عثمان من استعراض الآراء ومناقشتها إلى إبقاء عمّاله كلّ على عمله الذي هو فيه ، وأن يتألف قلوب الثائرين والمتألّبين عليه بالمال ، وأمر بهم فبعثوا إلى الغزو والثغور « 2 » . نشأ على أعقاب ذلك بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلّبون الناس على عثمان وينكرون عليه الكثير من أعماله ، وذلك بعدما عاث عبد اللّه بن سبأ فسادا بمصر ، فاستنفر نحوا من ست مئة راكب متجهين إلى المدينة في صفة معتمرين ، وإنما قصدهم أن يثيروا فتنة في داخل المدينة . ولما اقتربوا من المدينة أمر عثمان عليّا أن يخرج إليهم فيكلّمهم ويردّهم إلى بلادهم ، فانطلق إليهم علي رضي اللّه عنه وهم بالجحفة ، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره إذ كان قد عبث عبد اللّه بن سبأ بعقولهم عبثا منكرا وملأها بما شاء من الخرافة والزيغ ، فردّهم عليّ رضي اللّه عنه وأنّبهم وشتمهم ، فرجعوا على أنفسهم بالملامة ، وقالوا : هذا الذي تحاربون الخليفة بسببه وتحتجون به عليه ؟ ! . . ثم إنهم رجعوا خائبين من حيث أتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا قد أمّلوا وراموا . ولما رجع عليّ على عثمان ، أخبره برجوعهم ، ثم أشار عليه أن يخطب في الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان قد وقع منه من الأثرة لبعض أقاربه ، وأن يعلن لهم أنه قد تاب من ذلك . فقبل عثمان مشورته ، وخطب الناس يوم الجمعة ، وقال فيما قال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم إني أول تائب مما كان مني ، واستعبر باكيا ، وبكى المسلمون أجمعون . . وعاد فأكّد لهم نزوعه عما نقم الناس عليه من أجله ، وأنه سينحي عنهم مروان وذويه . ولكن مروان بن الحكم دخل عليه بعد ذلك عاتبا بل ناقما ، وقال له فيما قال : لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنّع منيع ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت حين
--> ( 2 ) البداية والنهاية : 7 / 167 ، وتاريخ الطبري : 4 / 333