محمد سعيد رمضان البوطي

355

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

من النصوص في القرآن أو السّنة لم يقض بحقّ الخلافة بعد رسول اللّه لأحد . إذ لو كان في النصوص ما قضى بذلك ، لما كان للشورى إلى ذلك من سبيل ، ولما جاز للصحابة أن يتجاوزوا ما قضى به النص إلى ما اقتنعوا به واتفقوا عليه عن طريق الشورى . ثانيا - إن الخلاف الذي دار في سقيفة بني ساعدة ، بين كبار الصحابة ، بصدد التشاور في اختيار خليفة لهم ، أمر طبيعي يقتضيه طرح القضية على بساط البحث والمشورة . وهو دليل بيّن قاطع على حماية الشارع للآراء والاقتراحات المختلفة ، من أي مصادرة أو تقييد ، في كل ما لم يرد به نصّ ثابت صريح . وإنما سبيل الوصول إلى الحق في كل ما سكت الشارع عنه ، هو طرح أكثر من رأي ، ومناقشتها جميعا بموضوعية وحرية وصدق . ولقد كانت المصيبة كبيرة ، والمشكلة عويصة ، لو أن الصحابة رضي اللّه عنهم ، لم يجدوا أنفسهم إلا أمام خيار واحد ، طرحوه للتصويت ثم انفضوا عن اتفاق عليه . إذن لكانت هذه الشورى عندئذ شورى مزيفة ، ولكان الاتفاق مدفوعا إليه بجبر خارجي . والعجب ممن ينشدون الشورى في الإسلام ، ويتهمونه بالاستبداد ، حتى إذا رأوا مظاهر الشورى ماثلة أمام أعينهم ، سموها ، جهلا منهم أو تجاهلا : صراعا وشقاقا . إذن فما هي الشورى التي في أذهانهم ، وما هي صورتها ، وكيف ينبغي أن تكون ؟ ثالثا - نصيحة عليّ لأبي بكر ، رضي اللّه عنهما ، أن لا يتوجه بنفسه لقتال المرتدين ، خوفا على المسلمين إن أصابه سوء ، تدلّ دلالة واضحة على شدة محبة علي لأبي بكر ، وعلى قناعته التامة بخلافته لرسول اللّه وجدارته بتولي أمر المسلمين ، كما تدلّ على المستوى الباسق من التعاون والإخلاص الساريين فيما بينهما . ومهما قيل عن تأخّر مبايعة علي لأبي بكر رضي اللّه عنهما ، ومهما ورد من خلاف في مدة تأخّر هذه المبايعة ، فإن شيئا من ذلك لا يتعارض مع هذه الحقيقة الثابتة ولا يعكرها . ومن المعروف أن تأخّر مبايعة علي ، إنما كانت مسايرة ، أو مجاملة ، لمشاعر فاطمة رضي اللّه عنها ، التي كانت مقتنعة ، من خلال اجتهادها ، بأنها ترث من أبيها رسول اللّه ، كما ترث كل أنثى من أبيها . ولم يكن هذا التأخّر بسبب حفيظة في نفس عليّ على أبي بكر . وأنى لصاحب هذه الحفيظة أن يقف هذا الموقف الملئ بمعاني الغيرة والتعاون والحب ؟ ! . . رابعا - لا يتأمل مسلم في الموقف الذي وقفه أبو بكر ، من القبائل المرتدة ، والعزيمة الماضية التي تمتع بها في مقاومة هذه القبائل ، والتي أبرزته في وضع متميز تقاصر عنه في بادئ الأمر جلّ الصحابة ، بل جميعهم إلّا ويستيقن حكمة اللّه عزّ وجلّ التي وضعت الرجل المناسب في الوقت المناسب وأمام المهمة المناسبة . إن أيّا منّا لا يكاد يتصور أن في الصحابة كلهم من كان أجدر من أبي بكر بالوقوف في وجه تلك العاصفة ، وردّها من حيث جاءت .