محمد سعيد رمضان البوطي
354
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الأمر بين يديه ، وقالوا له : رأينا إنما هو رأيك . وعندئذ أخذ يستشير أعيان الصحابة ، كلّا منهم على انفراد ، ولما رأى اتفاقهم على جدارة عمر وفضله ، طلع على الناس وأخبرهم أنه لم يأل جهدا في اختيار من هو أصلح لهم من بعده ، وأنه قد استخلف عليهم عمر ، فقالوا جميعا : سمعنا وأطعنا « 5 » . على أيّ أساس أصبح عمر خليفة ؟ قد يظن البعض أن هذه الطريقة في تنصيب الخليفة تشبه أن تكون باختيار شخص واحد بعيدا عن الشورى التي ينبغي أن تعتمد على أهل الحل والعقد من عامة المسلمين . غير أنّا إذا أمعنا النظر رأيناها في مضمونها قائمة على مشورة أهل الحلّ والعقد . إذ إن أبا بكر لم يستخلف عليهم إلا بعد أن استشار أعيان الصحابة فارتأوا جميعا عمر وزكّوه له . ومع ذلك فإن استخلافه له لم يصبح في حكم المنعقد والمستقر ، إلّا بعد أن خطب في الصحابة وسألهم أن يسمعوا ويطيعوا لعمر ، فقالوا جميعا سمعنا وأطعنا ، وبعد أن أجمع المسلمون بعد وفاته على صحة ما فعله أبو بكر وشرعية استخلافه . فكان ذلك دليلا من الإجماع على انعقاد الإمامة عن طريق العهد والاستخلاف بشروطه الشرعية المعتبرة « 6 » . كتاب العهد إلى عمر : بعد أن رأى أبو بكر موافقة الناس جميعا على استخلافه عمر عليهم ، دعا عثمان بن عفان وأملى عليه الكتاب التالي : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول اللّه عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر ؛ إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه ، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت ، ولكل امرئ ما اكتسب ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون » . ثم ختمه ، وخرج به عثمان فقرأه على الناس ، وبايعوا عمر بن الخطاب . وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة . العبر والعظات : يدلّنا ما ذكرناه من الأحداث التي وقعت في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه على أمور ومبادئ كثيرة نجملها فيما يلي : أولا - إنما تّمت خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه عن طريق الشورى ، وقد اشترك في الأخذ بها سائر أهل الحلّ والعقد من الصحابة بمن فيهم سيّدنا علي رضي اللّه عنه . وقد دلّ ذلك على أن شيئا
--> ( 5 ) انظر تاريخ الطبري : 3 / 428 ، وسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي : 36 ( 6 ) البداية والنهاية لابن كثير : 7 / 18