محمد سعيد رمضان البوطي
336
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
واستبشر الناس خيرا بخروجه صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك ، ولكن البرحاء اشتدت عليه ، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس . روى ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : « دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يوعك ، فمسسته بيدي ، فقلت : يا رسول اللّه ، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال صلّى اللّه عليه وسلم : أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ، قال : فقلت : ذلك أن لك أجرين ؟ . . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أجل ، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ اللّه به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها » « 12 » . كان صلّى اللّه عليه وسلم أثناء ذلك يطرح خميصة ( غطاء ) له على وجهه ، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال : « لعنة اللّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » 13 ، كأنه صلّى اللّه عليه وسلم يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به . رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وسكرة الموت وذلك هو حكم اللّه في عباده كلهم : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر 39 / 30 ] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة ، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر رضي اللّه عنه ، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف ، وبرز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من ورائه ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف ، فقد ظن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأشار إليهم بيده صلّى اللّه عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر « 14 » . وانصرف الناس من صلاتهم ، وهم يحسبون أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد نشط من مرضه . ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلّى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه ، فقد عاد عليه الصلاة والسلام فاضطجع إلى حجر عائشة رضي اللّه عنها ، وأسندت رضي اللّه عنها رأسه إلى صدرها ، وجعلت تتغشاه سكرة الموت ، قالت : « وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول : لا إله إلا اللّه ، إن للموت سكرات » « 15 » . وكانت فاطمة رضي اللّه عنها إذا رأت منه ذلك قالت :
--> وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه ، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث . ( 12 ) و ( 13 ) متفق عليه . ( 14 ) رواه الشيخان . ( 15 ) رواه البخاري في باب مرض الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ووفاته ، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق : 7 / 192 ، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ : « اللهم أعني على سكرات الموت » .