محمد سعيد رمضان البوطي
337
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
« واكرب أباه ؟ . . فيقول لها عليه الصلاة والسلام : ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم » « 16 » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : « إن اللّه جمع بين ريقي وريقه عند موته ، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقلت : آخذه لك ، فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته فاشتد عليه ، فقلت : أليّنه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فلينته فأمرّه ، وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول : لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات . ثم نصب يده فجعل يقول : في الرفيق الأعلى ، حتى قبض ، ومالت يده » « 17 » . وانتشر خبر وفاته صلّى اللّه عليه وسلم في الناس ، وأقبل أبو بكر رضي اللّه عنه على فرس من مسكنه في السّنح ( وكان قد ذهب إلى منزله هناك آملا أنه صلّى اللّه عليه وسلم قد عوفي من وجعه ) ، حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكبّ عليه فقبله . وبكى ، ثم قال : « بأبي أنت وأمي لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها » « 18 » . ثم خرج رضي اللّه عنه ، وعمر يكلم الناس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يمت ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأنه صلّى اللّه عليه وسلم لا يموت حتى يفني اللّه المنافقين ؛ فأقبل أبو بكر يقول له : على رسلك يا عمر ، أنصت ولكنه استمر في كلامه مهتاجا ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر ، فقال أبو بكر : أما بعد أيها الناس ، من كان منكم يعبد محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فإن محمدا قد مات ، ومن كان منكم يعبد اللّه فإن اللّه حيّ لا يموت ، قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران 3 / 144 ] . فكأن الناس لم يعلموا أن اللّه نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها . قال عمر رضي اللّه عنه : « واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت ما تقلّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد مات » « 19 » .
--> وقد خرجه الشيخ ناصر فقال : ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة . . . إلخ . وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط ، أما أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح وإذا كان للحديث الواحد طريقان فلا ينبغي الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منهما لما فيه من الإيهام . كما سبق بيانه في صفحة ( 494 ) ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت الحادثة واحدة . ( 16 ) رواه البخاري . ( 17 ) رواه البخاري ومسلم ، واللفظ للبخاري . ( 18 ) رواه البخاري . ( 19 ) رواه ابن إسحاق وغيره ، كما رواه البخاري أيضا مع فرق بسيط في بعض الألفاظ .