محمد سعيد رمضان البوطي

335

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام . لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخه أبي بكر « 6 » ، وإني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم وإني واللّه ما أخاف أن تشركوا من بعدي ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها » « 7 » . وعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بيته ، وما هو إلا أن اشتد به وجعه ، وثقل عليه مرضه . روت عائشة رضي اللّه عنها قالت : « قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مرضه : ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك ، حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر » « 8 » . وروى ابن عباس رضي اللّه عنه قال : « لما اشتد برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المرض ، قال لرجال كانوا في البيت : هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فقال بعضهم : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه . فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : قوموا » « 9 » . ولم يعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس ، فقال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه ، إن أبا بكر رجل أسيف ( رقيق ) وإنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس ، فقال : « إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس » « 10 » . فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك ، وخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم خلال ذلك مرة - وقد شعر بخفة - فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس ، فاستأخر أبو بكر ، فأشار إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن كما أنت ، فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى جنب أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو جالس ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر « 11 » .

--> ( 6 ) هو الباب الصغير بين البيتين . والحديث إلى هنا متفق عليه واللفظ لمسلم . ( 7 ) متفق عليه . ( 8 ) رواه مسلم في باب فضل أبي بكر : 7 / 110 وروى البخاري نحوه . ( 9 ) رواه البخاري في باب مرض النبي ووفاته : 5 / 138 ( 10 ) متفق عليه . ( 11 ) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من أقام إلى جنب الإمام لعلة ، ومسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام . ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس ، وغيرهم . ومن العجب أن الشيخ ناصرا أخرج هذا الحديث في تخريجه لأحاديث كتاب فقه السيرة للغزالي ، فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجة فقط . وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحاق السبيعي . مع أن الحديث متفق عليه وله طرق غير هذا الذي اهتم بتحقيقه ! . اللهم إلا أن رواية أحمد وابن ماجة فيها « واستفتح من الآية التي بلغها أبو بكر » وليس في رواية الشيخين هذه الجملة .