محمد سعيد رمضان البوطي

334

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة . فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلّد فيها ، ثم الجنة . قال : لا واللّه أبا مويهبة ، قد اخترت لقاء ربي والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فابتدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجعه الذي قبض فيه » « 3 » . وكان أول وجعه صلّى اللّه عليه وسلم صداعا شديدا يجده في رأسه ، فقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما رجع من البقيع استقبلته وهي تقول : وارأساه ، فقال لها صلّى اللّه عليه وسلم : « بل أنا واللّه يا عائشة وارأساه » « 4 » . ثم ثقل عليه الوجع فكان حمّى شديدة تنتابه ، وكان بدء ذلك في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة وكانت عائشة ترقيه صلّى اللّه عليه وسلم خلال ذلك بمعوذات من القرآن . روى البخاري ومسلم عن عروة أن عائشة رضي اللّه عنها أخبرته أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده ، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه ، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلّى اللّه عليه وسلم عنه . وشعرت نساؤه صلّى اللّه عليه وسلم برغبته في أن يمرّض في بيت عائشة رضي اللّه عنها ، لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها ، فأذنّ له في ذلك ، فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما . وفي بيت عائشة رضي اللّه عنها اشتد به وجعه ، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه ، فقال : « أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلّي أعهد إلى الناس ( أي أخرج إليهم لأكلمهم ) » قالت عائشة رضي اللّه عنها : فأجلسناه في مخضب ( ما يشبه الإجّانة يغسل فيها الثياب ) ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ . ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم « 5 » ، خرج صلّى اللّه عليه وسلم عاصبا رأسه ، فجلس على المنبر ، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال : « عبد خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده » فبكى أبو بكر رضي اللّه عنه ( إذ علم ما يقصده النبي صلّى اللّه عليه وسلم ) وناداه قائلا : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « على رسلك يا أبا بكر ، أيها الناس إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر ، ولو كنت

--> ( 3 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد ، وأحمد في مسنده وروى نحوه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عائشة وأبي هريرة . وذلك كله غير الحديث الذي رواه مسلم ومالك في الموطأ في باب الطهارة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لا حقون ، وددت أني قد رأيت إخواننا ، فقالوا : يا رسول اللّه ألسنا بإخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي . . الحديث وربما توهم البعض أن هذا الذي رواه مسلم ومالك ، هو ما رواه الآخرون عند قرب وفاته صلّى اللّه عليه وسلم ، روياه على نحو آخر . وقد ثبت أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان من عادته أن يذهب كل ليلة إلى البقيع يدعو ويستغفر لأهله . ( 4 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد ، وروى بنحوه الإمام أحمد في حديث طويل . ( 5 ) رواه البخاري .