محمد سعيد رمضان البوطي
311
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وقد تكون الوسيلة المتعينة ، لظروف أخرى ، الحرب الهجومية ، فهي عندئذ ذروة الجهاد وأشرفه . وإنما يقدر الظرف ويعين الوسيلة ويحددها ، الحاكم المسلم المتبصر الواعي المخلص للّه ولرسوله ولعامة المسلمين . وهذا يعني أن جميع هذه الوسائل الثلاث مشروعة في تحقيق الجهاد ، على أن لا يطبق منها إلا ما تقتضيه المصلحة الآنية التي يقدرها الحاكم المخلص ، وتبادل التطبيق ليس من النسخ في شيء . ثم إن حج أبي بكر هذا كان تعليما للمسلمين أصول المناسك وكيفية أدائها ، ثم كان تمهيدا لحجة الإسلام وحجة الوداع التي كان قائدها محمدا عليه الصّلاة والسلام . مسجد الضرار روى ابن كثير عن سعيد بن جبير وقتادة وعروة وغيرهم أنه كان في المدينة رجل من الخزرج اسمه أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصّر في الجاهلية وله مكانة كبيرة في الخزرج . فلما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية ، شرق أبو عامر بريقه وأظهر العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم خرج فارّا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ثم إنه لما رأى أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في تقدم وارتفاع ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فوعده ومنّاه ، فأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من منافقي المدينة يعدهم بما وعده به هرقل ، وأمرهم أن يتّخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك . فشرعوا في بناء مسجد قريب من مسجد قباء ، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى تبوك ، وجاؤوا فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته . وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية . فعصمه اللّه من الصلاة فيه وقال : « إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء اللّه » ، فلما قفل عليه الصّلاة والسلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة « 117 » . ونزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ،
--> ( 117 ) تفسير ابن كثير : 2 / 387 و 388 ، ورواه ابن هشام في سيرته على نحو قريب في : 2 / 322