محمد سعيد رمضان البوطي

312

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة 9 / 107 - 108 ] . ومعنى قوله تعالى ضِراراً أنهم إنما بنوه ضرارا لمسجد قباء . وقوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إشارة إلى مسجد قباء . العبر والعظات : تعتبر قصة هذا المسجد ، قمة الكيد الذي وصل إليه المنافقون بالنسبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه المسلمين . وليس هو هذه المرة نفاقا فحسب ، بل هو مؤامرة وكيد يدبّر ضدّ المسلمين . . ولذلك ، لم يكن موقف النّبي صلّى اللّه عليه وسلم من هذا الأمر ، استمرارا لموقف التجاهل والإهمال ، وإنما كان له موقف آخر ، استلهمه بوحي من ربّه جلّ جلاله . وكان هذا الموقف هو الكشف عن حقيقة المنافقين وتعرية أهدافهم عن تلك الأقنعة التي ستروها بها ، ثم هدم وتحريق ذلك البناء الذي زعموه مسجدا ، وهم إنما بنوه مرصدا لنفاق المنافقين وموئلا لتنظيم المكائد ضد المسلمين ، وذريعة للتفريق . وإن قصة هذا الكيد الأخير من المنافقين ، مع القصص السابقة لنفاقهم وكيدهم - تعطينا صورة كاملة عن مجموع حكم الشريعة الإسلامية في حقهم . فهم في كل ما يصدر عنه من كذب وإظهار لغير ما يظنون ، يتركون لظواهرهم في الدنيا ، وتوكل ضمائرهم إلى اللّه عزّ وجلّ وحكمه فيهم يوم القيامة . ولكنهم فيما قد يصدرون عنه من مؤامرات ومساع ضدّ المسلمين ، يؤخذون من النواصي متلبسين بجريمتهم ، كما ينبغي أن يدكّ ويهدم كل ما قد بنوه من مكائد ومؤامرات . وقد دلّ على ذلك مجموع سياسته صلّى اللّه عليه وسلم ومعاملته مع هؤلاء المنافقين ، وهو ما اتفق عليه عامة الأئمة الباحثين استنادا إلى هديه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك . هذا وإنك إذا تأملت في خطوات هذا الكيد المتلصص من المنافقين ، وكيفيته ووسائله ، علمت أن طبيعة النفاق واحدة في كل عصر وزمان ، وأن وسيلة المنافقين لا تتبدل ولا تختلف ، وأنهم هم دائما في جبنهم الذليل وكيدهم الحقير وفي ابتعادهم عن النور وتعلقهم بالظلام . فهم الذين دائما يسجدون بجباههم على أقدام المستعمر الأجنبي ليعينهم في وسيلة حرب ضدّ إسلام المسلمين في بلدهم ، حتى إذا انفتلوا إلى بني قومهم من المسلمين المؤمنين ، تظاهروا بالإسلام واصطنعوا مظهر الإعجاب به والدعوة إليه . فإذا أمكنتهم الفرصة من خنق حقيقة من حقائق هذا الدين والقضاء على بعض دعاته أعلنوا أنهم يقومون برسالة تطويره وأنهم إنما يقضون على مستغليه من أعداء الأمة !