محمد سعيد رمضان البوطي
310
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
والقول الأول أصح وأوجه ، إذ ليس في سورة براءة شيء جديد على رأي الكلبي ، وإنما هي تأكيد للعهود القائمة بين الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والمشركين ، لم تغير منها شيئا ولم تأت بجديد ، فأي معنى عندئذ في قراءة عليّ رضي اللّه عنه للسورة على مسامع المشركين ينذرهم بها ، وأي جديد في أن يبعث النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عليّا بذلك ؟ 3 - تأكيد آخر لحقيقة معنى الجهاد : وإنك لتلحظ في هذا تأكيدا جديدا على أن الجهاد في الشريعة الإسلامية ليس حربا دفاعية كما يصوّر المستشرقون ! . . تأمل في قوله عزّ وجلّ وهو ينذر فلول المشركين وبقاياهم حول مكة ، من أهل نجد وغيره . بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ، وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة 9 / 1 - 5 ] . إن هذه الآيات الواضحة القاطعة ، لم تبق في الذهن أي مجال لتصور ما يسمى بالحرب الدفاعية ، أساسا لمعنى الجهاد في الإسلام . وأنت تعلم أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن ، فأحكامها - وأكثر أحكامها تتعلق بالجهاد - مستقرة باقية . ولست أرى ما يدعو إلى القول بأن هذه الآيات نسخت ما قبلها من الآيات التي تقرر الجهاد الدفاعي ، كقوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [ الحج 22 / 39 ] . ذلك لأن الجهاد في أصل مشروعيته غير ناظر إلى هجوم ولا إلى دفاع ، إنما هو يهدف إلى إعلاء كلمة اللّه تعالى وإشادة صرح المجتمع الإسلامي السليم وإقامة دولة اللّه في الأرض ، فأيّا كانت الوسيلة المتعينة إلى ذلك وجب اتباعها . قد تكون الوسيلة ، لظرف ما ، المسالمة وبثّ النصيحة والتعليم والإرشاد ، وعندئذ لا يفسر الجهاد إلا بذلك . وقد تكون الوسيلة ، لظرف آخر ، الحرب الدفاعية مع النصح والإرشاد والتوجيه ، فهذا هو الجهاد المشروع حينئذ .