محمد سعيد رمضان البوطي

298

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ومرّ الجيش مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالحجر ( وهي منازل ثمود ) فقال لأصحابه : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين ، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي « 105 » . ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قفل راجعا إلى المدينة ، فلما أشرفوا على المدينة قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : « هذه طابة ، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه « 106 » وقال لأصحابه : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم . قالوا : يا رسول اللّه ، وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر » « 107 » . وقدم المدينة عليه الصلاة والسلام في رمضان من السنة نفسها ، فيكون قد غاب قرابة شهرين . . أمر المخلفين ولما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد ، فصلّى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا . فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه إلى أن نزلت آيات بقبول توبتهم . وقد روى كعب رضي اللّه عنه خبره في ذلك - في حديث طويل رواه البخاري ومسلم - وجاء فيه قوله : « كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة . . وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين ، فأرجع ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه ( أي لن يعوقني شيء عن سرعة التجهز ) فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ ولم أقض من جهازي شيئا . ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ( أي خرجوا وفاتوا ) وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدّر لي ذلك . فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فطفت فيهم ، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموسا بنفاق أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء . . ولما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همّي ، فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول بماذا سأخرج من سخطه غدا ؟ ! . . واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، ولما قيل إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد أقبل ، زاح عني الباطل وأجمعت أن أصدقه ، فجئته ، فلما سلمت عليه تبسّم تبسّم المغضب ، ثم قال : تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت

--> ( 105 ) متفق عليه . ( 106 ) متفق عليه . ( 107 ) متفق عليه ، البخاري : 5 / 136 ، ومسلم : ز / 49