محمد سعيد رمضان البوطي
299
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ظهرك ؟ فقلت : بلى ، إني واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه أن يسخطك عليّ ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عفو اللّه . واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك ! . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك . فقمت ، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبونني ( أي يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين ) فقلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هما ؟ فقالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية . فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا لي فيهما أسوة . . ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أي الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرفها فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه أسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني . وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : « أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه في دار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك » ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك . فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر . . فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن كلامنا . فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا . فبينا أنا جالس على الحال الذي ذكر اللّه ( قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ) سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا ، وعرفت أنه قد جاء فرج ، وآذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتوبة اللّه علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون . . ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني ، نزعت ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه ، واللّه ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة . ودخلت المسجد ، فإذا