محمد سعيد رمضان البوطي

297

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

روى الطبراني وابن إسحاق والواقدي أن أبا خيثمة زجع ، بعد أن سار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعدة أيام ، إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين ( أي خيمتين ) لهما في بستان له ، قد رشّت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء فيه وهيأت له فيه طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : « رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الشمس والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ؟ ! ما هذا واللّه بالنصف . ثم قال : واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فهيأتا له زادا ، ثم قدّم ناضحة فارتحله وخرج في طلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك ، ولما دنا أبو خيثمة من المسلمين قالوا : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كن أبا خيثمة » ! فقالوا : يا رسول اللّه ، هو واللّه أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له عليه الصلاة والسلام : أولى لك يا أبا خيثمة ! . . ثم أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخبر فدعا له صلّى اللّه عليه وسلم بخير » . وعانى المسلمون في هذه الرحلة جهودا شاقة وأتعابا جسيمة . روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد ، وأصابهم عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها « 103 » . وروى الإمام أحمد في مسنده ، عن أبي هريرة قال : « لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، فقالوا : يا رسول اللّه ، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنا ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : افعلوا ، فجاء عمر فقال : يا رسول اللّه إنهم إن فعلوا قل الظهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم بالبركة لعلّ اللّه أن يجعل فيه ذلك ، فدعا عليه الصلاة والسلام بنطع فبسطه ، ثم دعاهم بفضل أزوادهم ، فجعل الرجل يجيء بكف الذرة ، والآخر بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير ، ثم دعا عليه بالبركة ، ثم قال لهم : خذوا في أوعيتكم قال : فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت منه فضلة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه ، لا يلقى اللّه بهما عبد غير شاكّ فتحجب عنه الجنة » « 104 » . ولما انتهوا إلى تبوك ، لم يجدوا هناك كيدا ولا قتالا ، فقد اختفى وتفرق أولئك الذين كانوا قد تجمعوا للقتال . ثم أتاه يوحنه حاكم ( أيلة ) فصالح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه أيضا الجزية ، وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك لهم كتابا .

--> ( 103 ) ورواه ابن سعد في طبقاته 3 / 220 ( 104 ) رواه أحمد في مسنده ، وأورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ، ثم قال : ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش .