محمد سعيد رمضان البوطي
296
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومما نزل في ذلك قوله تعالى : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [ التوبة 9 / 81 ] وقوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ التوبة 9 / 49 ] . أما المؤمنون فأقبلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من كل صوب ، وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال والعدة ، وجاء عثمان رضي اللّه عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها « 99 » وبألف دينار نثرها في حجره ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يضر عثمان ما فعل بعدها » « 100 » . وجاء أبو بكر رضي اللّه عنه بكل ماله ، وجاء عمر بنصف ماله ، روى الترمذي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : « سمعت عمر بن الخطاب يقول : أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا ، فقلت اليوم أسبق أبا بكر ، إن سبقته يوما . قال : فجئت بنصف مالي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم اللّه ورسوله ، قلت : لا أسبقه إلى شيء أبدا » « 101 » . وإذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذا الندب بمناسبة غزوة تبوك كما قال ذلك فريق من العلماء . وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم ( البكاؤون ) يطلبون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ظهورا يركبونها للخروج إلى الجهاد معه ، فقال لهم : « لا أجد ما أحملكم عليه » . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا لديهم ما ينفقونه في أسباب خروجهم للغزو . وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيما يقارب ثلاثين ألفا من المسلمين « 102 » ، وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب ، منهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، وأبو خيثمة . وكانوا - كما قال ابن إسحاق - نفر صدق لا يتهم في إسلامهم . غير أن أبا خيثمة لحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في تبوك .
--> ( 99 ) رواه الطبراني وأخرجه الترمذي والحاكم والإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن خباب ، والأحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يوضع على ظهر البعير . ( 100 ) رواه الترمذي في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن سمرة . ( 101 ) رواه الترمذي والحاكم وأبو داود . وفي سنده هشام بن سعد عن زيد بن أسلم وقد ضعفه الإمام أحمد والكسائي . واعتبره الحافظ ابن حجر من المرتبة الخامسة ، فقال عنه : صدوق له أوهام ، إلا أن الذهبي نقل عن أبي داود أنه أثبت الناس إذا روى عن زيد بن أسلم كما في هذا الحديث ونقل عن الحاكم أن مسلما أخرج له في الشواهد . ( 102 ) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق وغيرهما .