محمد سعيد رمضان البوطي

295

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

صلى اللّه عليك يا سيدي يا رسول اللّه وعلى أصحابك البررة من الأنصار والمهاجرين . وجمعنا تحت لوائك المحمود ، وجعلنا مع أولئك الذي سيلقونك على الحوض يوم القيامة . غزوة تبوك وسببها على ما رواه ابن سعد وغيره ، أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين كانوا يتنقلون بين الشام والمدينة للتجارة ، أن الروم قد جمعت جموعا وأجلبت إلى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم ، ووصلت طلائعهم إلى أرض البلقاء . فندب النبي صلّى اللّه عليه وسلم الناس إلى الخروج ، وروى الطبراني من حديث ابن حصين أن جيش الروم كان قوامه أربعين ألف مقاتل « 95 » . وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة ، وكان الفصل صيفا ، وقد بلغ الحر أقصاه ، والناس في عسرة من العيش ، وكانت ثمار المدينة - في الوقت نفسه - قد أينعت وطابت ، فمن أجل ذلك أعلن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الجهة التي سيتجهون إليها ، وذلك على خلاف عادته في الغزوات الأخرى . قال كعب بن مالك : « لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حرّ شديد واستقبل سفرا ومفازا وعدوا كثيرا ، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم » « 96 » . وهكذا ، فقد كانت الرحلة في هذه الغزوة ثقيلة على النفس ، فيها أقسى مظاهر الابتلاء والامتحان ، فأخذ نفاق المنافقين يعلن عن نفسه هنا وهناك ، على حين أخذ الإيمان الصادق يعلن عن نفسه في صدور أصحابه . أخذ أقوام من المنافقين يقولون لبعضهم : لا تنفروا في الحر . . وجاء آخر « 97 » يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ائذن لي ولا تفتني ، فو اللّه لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر . فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأذن له فيما أراد « 98 » وعسكر عبد اللّه بن أبي بن سلول في ضاحية بالمدينة مع فئات من أصحابه وحلفائه ، فلما سار النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، تخلف بكل من معه ! .

--> ( 95 ) انظر طبقات ابن سعد : 3 / 218 ، وفتح الباري : 8 / 87 ( 96 ) متفق عليه . ( 97 ) هو الجد بن قيس . ( 98 ) رواه ابن إسحاق وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس ، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، وانظر الإصابة : 1 / 230