محمد سعيد رمضان البوطي

289

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

العبر والعظات : تعتبر غزوة حنين هذه درسا في العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب والمسببات من نوح ذلك الدرس الذي أوحت به غزوة بدر ، بل متمما له . فإذا كانت وقعة بدر قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئا في جنب كثرة أعدائهم ، إذا كانوا صابرين ومتقين ، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضا لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين . وكما نزلت آيات من كتاب اللّه تعالى في تقرير عبرة ( بدر ) ، فقد نزلت آيات منه أيضا في تقرير العبرة التي ينبغي أن تؤخذ من ( حنين ) . كان المسلمون في بدر أقل عددا منهم في أي موقعة أخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئا بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم للّه ولرسوله . وكان المسلمون في حنين أكثر عددا منهم في أي موقعة أخرى خاضوها من قبل . ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئا ، بسبب تلك الجماهير التي لم يتمكن الإيمان بعد في نفوسها ، ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد في أعماق أفئدتها . لقد انضمت تلك الجماهير إلى الجيش بجسومهم وأشكالهم ، بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم ومستولي على نفوسهم . وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم والأشكال أي أثر في النصر والتوفيق . فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة في متاهات وادي حنين ، حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج في وجوههم ، وربما امتدت ظلال هذا الهلع إلى أفئدة كثيرة من المؤمنين الصادقين أيضا بادئ الأمر . ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار والمهاجرون صيحات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين ، يلتفون حول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويخوضون معه معركة حامية الوطيس ، ولم يكن هؤلاء يزيدون على المئتين ! . . ولكن بهؤلاء المئتين عاد النصر إلى المسلمين ، ونزلت السكينة على قلوبهم ، وهزم اللّه عدوهم شرّ هزيمة ، بعد أن كانوا اثني عشر ألفا فيهم كثير من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئا ! . . وأنزل اللّه تعالى هذه العظة البليغة في كتابه الكريم : . . . وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة 9 / 25 - 27 ] .