محمد سعيد رمضان البوطي

290

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وإليك الآن ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات والأحكام . أولا - بثّ العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم : سبق أن ذكرنا أن هذا عمل جائز ، بل هو واجب إن دعت إليه الحاجة ، وهذا ما قام به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في هذه الغزوة ، فقد بعث عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي ليتحسس أخبار العدو ويأتي المسلمين بالخبر عن عددهم وعدّتهم ، وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة . ثانيا - للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين : ومثل الأسلحة في ذلك ما يحتاجه الجيش من عدّة الحرب والقتال ، ومثل الاستعارة تملكها منهم مجانا أو بثمن ، وهذا ما فعله رسول اللّه في هذه الغزوة ، حينما استعار أسلحة من صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركا إذ ذاك . وهذا داخل في عموم حكم الاستعانة بالكفار عند الحرب ، وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد . ويتبين لك الآن أن الاستعانة بالكفار تنقسم إلى نوعين : النوع الأول : الاستعانة بأشخاص منهم للقتال مع المسلمين ، وهذا ما مضى الحديث عنه في غزوة أحد ، وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه ، واطمأن المسلمون إلى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم . النوع الثاني : الاستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدّة ، ولا خلاف في أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين ، وأن لا يتسبب عن ذلك دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية . وأنت تجد أن صفوان بن أمية حينما أعار الأسلحة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان في وضع المغلوب الضعيف وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المركز الأقوى « 89 » . ثالثا - جرأته صلّى اللّه عليه وسلم في الحرب : وإنك لتبصر صورة نادرة حقا لهذه الجرأة ، عندما تفرقت جموع المسلمين في الوادي وقد ولوا الأدبار ، ولم يبق إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وسط حومة الوغى حيث تحف به كمائن العدو التي فوجئوا بها . فثبت ثباتا عجيبا امتد أثره إلى نفوس أولئك الفارّين من أصحابه ، فعادت إليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش وقوة العزيمة . روى ابن كثير في تفسيره خبر غزوة حنين ثم قال : « قلت : وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة . إنه في مثل هذا اليوم ، في حومة الوغى ، وقد انكشف عن جيشه ، وهو مع هذا على بغلة ، وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرّ

--> ( 89 ) انظر زاد المعاد : 2 / 190 ، ومغني المحتاج : 4 / 221