محمد سعيد رمضان البوطي
284
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
صلحا ، وكان الممثل لقريش في هذا الصلح هو أبو سفيان ، وكان الاتفاق والشرط فيه على أنه : من أغلق بابه فهو آمن ، ومن أسلم فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، إلا ستة أنفس هدر دمهم . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة ، واستدلوا على ذلك بالطريقة التي دخل بها المسلمون مكة ، وبما كانوا يحملونه من السلاح وعدة الحرب . واتفق الكل على أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يغنم منها مالا ولم يسب فيها ذرية ، فأما من ذهب إلى أنها فتحت صلحا فسبب ذلك واضح ، وأما من ذهب إلى أنها فتحت عنوة فقد قالوا إن الذي منع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من قسمتها شيء آخر تمتاز به مكة عن بقية البلاد ، فإنها دار النسك ومتعبّد الحق وحرم الرّب تعالى ، فكأنه وقف من اللّه تعالى على العالمين ، ولهذا ذهب بعض العلماء ومنهم أبو حنيفة إلى منع بيع أراضي ودور مكة المكرمة « 71 » . هذه خلاصة عن بعض الأحكام والعبر التي تؤخذ من أحداث الفتح الكبير لمكة المكرمة ، وحسبنا هذا القدر من ذلك واللّه أعلم . غزوة حنين وقد كانت في شوال سنة ثمان من هجرة النّبي صلّى اللّه عليه وسلم . وسببها أن اللّه جلّ جلاله ، حينما فتح على رسوله مكة ، ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها ، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض ، وقد توغر صدورهم للنصر الذي آتاه اللّه رسوله والمؤمنين . فحشدوا حشودا كبيرة ، وجمع أمرهم مالك بن عوف سيّد هوازن ، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ، حتى نزلوا بأوطاس ( مكان بين مكة والطائف ) ، وإنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار ، وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد ! . . وأجمعوا المسير إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فخرج إليهم صلّى اللّه عليه وسلم لست ليال خلون من شوال « 72 » في اثني عشر ألفا من المسلمين ، عشرة آلاف من أهل المدينة ، وألفين من أهل مكة « 73 » . وبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ثم يعود بذلك إليه صلّى اللّه عليه وسلم . فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم .
--> ( 71 ) راجع الأحكام السلطانية : 164 ، وزاد المعاد لابن القيم : 2 / 174 ( 72 ) طبقات ابن سعد : 4 / 200 ( 73 ) طبقات ابن سعد : 4 / 300 ، وسيرة ابن هشام .