محمد سعيد رمضان البوطي
285
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وكان قد ذكر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة ، فأرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - فطلب منه تلك الدروع والأسلحة . فقال صفوان : « أغصبا يا محمد ؟ ! . . قال : بل عارية ، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك . فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح » « 74 » . وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه ، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، حملة واحدة . ووصل المسلمون إلى وادي حنين ، فانحدروا فيه في غبش الصبح ، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين ، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر . وانحاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذات اليمين ، ثم نادى في الناس : « إليّ يا عباد اللّه ، أنا النّبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » . روى مسلم عن العباس رضي اللّه عنه قال : « شهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم حنين ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه ، وهو على بغلة له بيضاء ، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار . قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكفّها ، إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : ناد أصحاب السمرة « 75 » ( وكان رجلا صيّتا ) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب السمرة ، قال : فو اللّه لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا : يا لبيك ، يا لبيك . . وأقبلوا يقتتلون مع الكفار ، وكان النداء : يا للأنصار ، وأشرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينظر إلى قتالهم قائلا : الآن حمي الوطيس . ثم أخذ حصيّات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال : انهزموا وربّ محمد » « 76 » . وقذف اللّه في قلوب المشركين الرعب ، فانهزموا لا يلوي واحد منهم على أحد ، واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون ، فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وفي هذه الغزوة أعلن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا : « من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه » « 77 » . فروى ابن إسحاق وغيره عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده ، هو قتلهم .
--> ( 74 ) رواه ابن إسحاق بسند صحيح ، ورواه عن طريقه ابن جرير وابن سيّد الناس . ( 75 ) هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية . ( 76 ) رواه مسلم ، وروى نحوه باختصار البخاري أيضا ، وترويه بتفصيل كل كتب السيرة . ( 77 ) متفق عليه .