محمد سعيد رمضان البوطي
275
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ذلك عليه في مكة ، وهو يعاني من تعذيبكم وإيذائكم له ، وهل ألجأتموه إلى الهجرة من بلده إلا لأنه رفض أن يستبدل الملك الذي عرضتموه عليه بالنبوة التي كان يدعوكم إلى الإيمان بها ؟ إنها النبوة ! . . تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس ، حتى تصبح الردّ الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة ، أو إحياء قومية أو عصبية وهي كلمة جاءت عنوانا لحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أولها إلى آخرها ، فقد كانت ساعات عمره ومراحله كلها دليلا ناطقا على أنه إنما بعث لتبليغ رسالة اللّه إلى الناس ، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض . رابعا - تأملات في كيفية دخوله صلّى اللّه عليه وسلم إلى مكة : 1 - لقد رأينا فيما يرويه البخاري عن عبد اللّه بن المغفل أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح ، يرجّع في تلاوته لها ، والترجيع كيفية معينة في القراءة يترنم بها القارئ . وهذا يدل - كما نرى - أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان مستغرقا في حالة شهود مع اللّه تعالى أثناء دخوله مكة ، فما كانت لنشوة الظفر والنصر العظيم إلى نفسه من سبيل ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره ، إنما هو الانسجام التام مع شهود اللّه تعالى والشكر على نصره وتأييده . ويزيد في تصوير هذا المعنى ما رواه ابن إسحاق من أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما وصل إلى ذي طوى كان يضع رأسه تواضعا للّه ، حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح ، حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وهذا يعني أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان مندمجا في حالة من العبودية التامة للّه تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه ، ونظر إلى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه ، وكيف أن اللّه أعاده إلى البلدة التي أخرجته عزيزا منصورا مكرما ! . . إنها الساعة التي ينبغي أن تمتلئ بشكر اللّه تعالى وحده ، وينبغي أن يفيض الزمن كله فيها بمعنى العبودية التامة للّه تعالى . وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائما ، عبودية مطلقة للّه في السراء والضراء ، في الرخاء والشدة ، عند الضعف والقوة . وليس من شأن المسلمين إطلاقا ، أن يتظاهروا بالذل للّه تعالى كلما حاقت بهم مصيبة أو كرب ، حتى إذا انكشف الكرب وزال الضر ، أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شيء ، ومرّوا من جنب أوامر اللّه تعالى وأحكامه ساهين لاهين ، كأن لم يدعوه ويتذللوا له في كشف ضر مسّهم ! . . 2 - يدلنا أيضا هذا الذي رواه البخاري ، على مشروعية الترنم والتغني بقراءة القرآن ، وهو المعنى الذي عبر عنه عبد اللّه بن المغفل بالترجيع . وهو الحق الذي عليه عامة العلماء من الشافعية