محمد سعيد رمضان البوطي

276

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

والحنفية وكثير من المالكية وغيرهم . ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روي عن كثير من الصحابة أو التابعين مما يدل على النهي عن التطريب والتغني في تلاوة القرآن ، على التطريب الذي يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف والكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة ، إذ إن مثل هذه التلاوة غير جائزة باتفاق . 3 - لقد كان من التدبير الحكيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ما أمر به أصحابه من أن يتفرقوا في مداخل مكة ، فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد ، وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون إلى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم في جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة ومغرياتها . وإنما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ، حقنا للدماء ما أمكن ، وحفظا لمعنى السلامة والأمن في البلد الحرام ، ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن . خامسا - ما اختص به الحرم المكي من الأحكام : 1 - حرمة القتال فيه : لقد رأينا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نهى أصحابه عن قتال أحد ، إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال ، وإلا ستة أنفار أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقتلهم أينما وجدوا . ولقد رأينا أنه صلّى اللّه عليه وسلم أنكر على خالد بن الوليد قتاله لبعض أهل مكة حينما رأى بارقة السيوف على بعد ، فقيل له أنه قوتل فقاتل فقال : قضاء اللّه خير ، ولم يقع فيما عدا ذلك قتال ما في مكة . كما رأينا أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال فيما خطب به الناس يوم الفتح : « إن مكة حرّمها اللّه ، ولم يحرمها الناس ، لا يحل لا مرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص في قتال فيها فقولوا : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس » . وقد أخذ عامة العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال في مكة وما يتبعها من الحرم ، وهو صريح أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم في خطبة يوم الفتح . ولكنهم بحثوا بعد هذا ، في كيفية تطبيق هذا الأمر ، وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التي تأمر بقتال المشركين والبغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص . فقالوا : « أما المشركون والملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم ، فقد ثبت شرعا أنه لا يجوز تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الاستيطان بمكة » وذلك باتفاق الأئمة ، بل ومن