محمد سعيد رمضان البوطي
263
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
قريش متنكرين متنقبين ، فيهم صفوان بن أمية ، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ، فالتقوا مع بني بكر في مكان اسمه الوتير ، وبيتوا خزاعة ليلا وهم مطمئنون آمنون ، فقتلوا منهم عشرين رجلا . وعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة ، فقدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ، فقام وهو يجر رداءه قائلا : « لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ، مما أنصر منه نفسي » وقال : « إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب » « 44 » . وندمت قريش على ما بدر منها ، فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليجدد الهدنة ويماددها . وقدم أبو سفيان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكلمه فلم يردّ عليه شيئا ، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : « ما أنا بفاعل » . ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : « أأنا أشفع لكم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فو اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ( والذر صغار النمل ) » . وانطلق أبو سفيان عائدا إلى مكة خائبا ، لم يأت بشيء ! . وتجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد أخفى أمره ، وقال : « اللهم خذ على أبصار فريش فلا يروني إلا بغتة » « 45 » . ولما أجمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم المسير ، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين . قال علي رضي اللّه عنه : « فبعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنا والزبير ، والمقداد . فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة ( امرأة ) معها كتاب فخذوه منها . قال : فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ، حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة . قلنا لها : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي كتاب . فقلنا : لتخرجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب . قال : فأخرجته من عقاصها . فأتينا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يا حاطب ما هذا ؟ قال : يا رسول اللّه ، لا تعجل عليّ ، إني كنت امرءا ملصقا في قريش - أي كنت حليفا لهم ولست منهم - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ، أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إنه قد صدقكم ، فقال عمر : يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال :
--> ( 44 ) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق . وهذا النص من رواية ابن سعد . قال ابن حجر : ورواه البزار والطبراني وموسى بن عقبة ، وغيرهم . . ( 45 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد بألفاظ متقاربة .