محمد سعيد رمضان البوطي

264

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل اللّه اطلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم . فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ . . . الآيات إلى قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ « 46 » . واستخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على المدينة كلثوم بن حسين ، وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ، وأرسل صلّى اللّه عليه وسلم إلى من حوله من العرب : أسلم وغفار ومزينة ، وجهينة وغيرهم ، فالتقى كلهم في الظهران - مكان بين مكة والمدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف . ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشا بعد ، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرا بسبب فشل أبي سفيان فيما جاء به إلى المدينة ، فأرسلوا أبا سفيان ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ، حتى دنوا إلى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ، فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ، إذ رآهم أناس من حرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأتوا بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلم أبو سفيان » « 47 » . قال ابن إسحاق يروي عن العباس تفصيل إيمان أبي سفيان : « فلما أصبح ، غدوت به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! . . واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد . وقال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه واللّه ، فإن في النفس منها حتى الآن شيئا . فقال له العباس : ويحك ! . . أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم . قال العباس : فقلت يا رسول اللّه ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . فلما أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المسير مقبلا إلى مكة ، قال للعباس : احبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه فيراها قال : فخرجت فحبسته عند مضيق الوادي حيث أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن أحبسه ، ومرت القبائل عليها راياتها ، كلما مرت قبيلة ، قال : يا عباس من

--> ( 46 ) متفق عليه واللفظ للبخاري . ( 47 ) إلى هنا من رواية البخاري ، وليس فيها كما ترى إشارة إلى إسلام صاحبيه أيضا . والذي ذكره علماء السيرة ، وفي مقدمتهم موسى بن عقبة ، أن بديلا وحكيما أسلما بمجرد دخولهما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح . فلذلك عنيت رواية البخاري بذكر أبي سفيان وأهملت ذكر صاحبيه .