محمد سعيد رمضان البوطي
240
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته صلّى اللّه عليه وسلم أو بعد وفاته ، فآثار النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وفضلاته ، لا تتصف بالحياة مطلقا ، سواء تعلق التّبرك والتّوسل بها في حياته أو بعد وفاته ، كما ثبت في صحيح البخاري في باب شيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ومع ذلك ، فقد ضلّ أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وراحوا يستنكرون التّوسل بذاته صلّى اللّه عليه وسلم بعد وفاته ، بحجة أن تأثير النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قد انقطع بوفاته ، فالتّوسل به ، إنما هو توسل بشيء لا تأثير له البتة ! وهذه حجة تدل - كما ترى - على جهل عجيب جدا ! . . فهل ثبت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته ، حتى نبحث عن مصير هذا التأثير من بعد وفاته ؟ ! . إن أحدا من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جلّ جلاله ، ومن اعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم . فمناط التّبرك والتّوسل به أو بآثاره صلّى اللّه عليه وسلم ، ليس هو إسناد أي تأثير إليه ، والعياذ باللّه وإنما المناط ، كونه صلّى اللّه عليه وسلم أفضل الخلائق عند اللّه على الإطلاق ، وكونه رحمة من اللّه للعباد فهو التّوسل
--> اشمئزاز ، بل ما أكثر ما يبارك كتاب ، وأدباء ، وشعراء ، هذا الشذوذ ( الوردي ) ، وما أسهل أن يتصوروه أو يصوروه تجسيدا رائعا للهيجان الخمري المعتّق ! . . حتى إذا رأى صورة ذلك الحب العلوي الذي ينسكب في المشاعر من القلب والعقل معا ، وأبصر شيئا من آثاره في حياة صاحبه وسلوكه ، تعجب واستغرب ، واصطنع التأفف والاشمئزاز ، وأخذ يندب اللباقة والذوق الرفيع ! . . . ألا ، فليعلم هذا الرجل وأمثاله أن كل شيء في الدنيا يخضع لقانون مستقل عنه ، إلا الحب ، فلن تراه خاضعا إلا لقانونه ذاته ! . . والويل كل الويل لمن كان حب قلبه تمردا على عقله . وليهنأ ذاك الذي كان حبه القلبي تجاوبا مع قراره العقلي . وحسب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شرفا وفخرا أن الحب الذي استبد بقلوبهم لرسول اللّه ، كان شعاع إيمانهم العقلي بصدق نبوته ، وسمّو مكانته عند رب العالمين جلّ جلاله . فليفعل بهم هذا الحب ما يشاء ، وليحملهم على التبرك والتمسّح بعرقه وبصاقه وما يتساقط من شعره وما يتقاطر من ماء وضوئه . . فإنما هي لغة الحب . . ولا تصاغ لغة الحب إلا في داخل بوتقته ولا يتحكم بها غيره . وإني لأعلم أن في الناس اليوم من لو رأت أعينهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، يمشي على الأرض ، لهاج بهم هائج الحب ، ولخرّوا إلى الأرض ، يلعقون الثرى الذي سما وازدهى تحت قدمي رسول اللّه ! . . ولا يخاصم منطق الحب هذا إلا من يقارعه بمنطق الكراهية والبغض . وخصومة كهذه ، لا يقرها منطق ولا يدعمها عقل ، إذ من البدهي أن الجدل حول أمر ما ، لا يتحرك ويتفاعل إلا فوق أرض من اليقين بحقيقة مشتركة بين الطرفين . وقد التقطت حكمة الدهر كلمة قيل إن مجنون بني عامر قالها يوم سمع أن في الناس من يعيب عليه وينتقده لتعلقه بليلى ، وهي فيما زعموا سمراء دميمة . فقال : لو نظروا إليها بعيني لعلموا أنهم مخطئون .