محمد سعيد رمضان البوطي

241

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

بقربه صلّى اللّه عليه وسلم إلى ربّه ، وبرحمته الكبرى للخلق . وبهذا المعنى توسل الأعمى به صلّى اللّه عليه وسلم في أن يردّ عليه بصره ، فردّه اللّه عليه « 11 » ، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار ، وقد مرّ في هذا الكتاب بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النّبوة في الاستسقاء وغيره ، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي والصنعاني وغيرهم « 12 » . والفرق ، بعد هذا ، بين حياته وموته صلّى اللّه عليه وسلم ، خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوّغ له . رابعا : ( حكم الوقوف على الإنسان وهو قاعد ) ، لقد علمت مما سبق أن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه ، كان واقفا على رأس النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ومعه السيف ، وكلما أهوى عروة بن مسعود بيده إلى لحية النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ضرب يده بنعل السيف ، قائلا : « أخّر يدك عن وجه رسول اللّه » . وقد كنّا ذكرنا فيما مضى عند الحديث عن غزوة بني قريظة - أنه لا يشرع القيام على رأس أحد وهو قاعد ، وأن ذلك من مظاهر التعظيم الذي تعارفه الأعاجم فيما بينهم وأنكره الإسلام ، وإنه التمثّل الذي نهى عنه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : « من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار » . فكيف كان الأمر على خلاف ذلك هنا ؟ والجواب ، أنه يستثنى من عموم المنع ، مثل هذه الحالة بخصوصها ، أي في حالة قدوم رسل للعدو إلى الإمام أو الخليفة ، فلا بأس حينئذ من قيام حرس أو جند على رأسه ، إظهارا للعزة الإسلامية ، وتعظيما للإمام ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء « 13 » . أما في أعم الأحوال فلا يجوز ذلك لمخالفته مقتضى التوحيد والعقيدة الإسلامية ، دون أي ضرورة إليه . ويشبه هذا ، ما مرّ بيانه ، عند الحديث عن أبي دجانة في غزوة أحد ، فقد قلنا : إن كل ما يدل على التكبر أو التجبر في المشي ممنوع شرعا ولكنه جائز في حالة الحرب بخصوصها بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلم عن مشية أبي دجانة : إنها مشية يكرهها اللّه إلا في هذا الموضع . خامسا : ( مشروعية الهدنة بين المسلمين وأعدائهم ) ، استدل العلماء والأئمة بصلح الحديبية

--> ( 11 ) حديث توسل الأعمى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ورجوع بصره إليه ، حديث صحيح رواه الترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عثمان بن حنيف رضي اللّه عنه أن رجلا أعمى جاء إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وهم جلوس معه ، فشكا إليه ذهاب بصره فأمره بالصبر . فقال ليس لي قائد وقد شقّ عليّ فقد بصري . فقال : « ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قل : اللهم إني أتوجه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم فشفّعه فيّ » . وفي بعض الروايات بزيادة : فإن كان لك حاجة فمثل ذلك . قال عثمان بن حنيف : فو اللّه ما تفرق بنا المجلس حتى دخل علينا فكان بصيرا . ( 12 ) انظر ص 46 من هذا الكتاب . ( 13 ) انظر زاد المعاد لابن القيم : 2 / 114