محمد سعيد رمضان البوطي
227
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم وعن علاماته وبعثته ، ولكنهم كانوا عبيدا لعصبيتهم وتكبرهم . وذلك هو سبب الكفر عند كثير ممن يتظاهر بعدم الإيمان والفهم ، وذلك هو الدليل البين على أن الإسلام في عقيدته وعامة أحكامه إنما هو دين الفطرة البشرية الصافية ، ينسجم في عقيدته مع العقل وينسجم في تشريعاته وأحكامه مع حاجات الإنسان ومصالحه ، فلن تجد من عاقل سمع باسم الإسلام وألّم بحقيقته وجوهره ثم كفر به كفرا عقليا صادقا . إنما هو أحد شيئين : إما أنه لم يسمع بالإسلام على حقيقته وإنما قيل له عنه كلام زائف باطل ، وإما أنه وقف على حقيقته واطلع على جوهره ، فهو يأباه إباء نفسيا لحقد على المسلمين أو غرض أو هوى يخشى فواته . خامسا : ( حكم القيام إكراما للقادم ) ، أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكبا دابته أن يقوموا إليه تكريما له ، ودلّ على هذا التعليل قوله : لسيدكم أو خيركم ، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفا . يقول الإمام النووي في تعليق على هذا الحديث : « فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا . هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام . قال القاضي : وليس هذا من القيام المنهي عنه ، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه . قلت : القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ، وقد جاء فيه أحاديث ، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح » « 91 » . ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضا على ذلك ، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه ، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك ، قال : « فانطلقت أتأمم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، ويقولون لي : لتهنك توبة اللّه عليك ، حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول اللّه جالس حوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه يهرول حتى صافحني وهنأني ، واللّه ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة » . ومن ذلك أيضا ما رواه الترمذي وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « ما رأيت أحدا من الناس كان أشبه بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم كلاما ولا حديثا ولا جلسة من فاطمة ، قالت : وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه ، وكانت إذا أتاها النبي صلّى اللّه عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته » « 92 » . واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أحبّ أن يتمثل له
--> ( 91 ) النووي على مسلم : 12 / 93 ( 92 ) هذا اللفظ للبخاري والروايات الأخرى لا تختلف عن هذه إلا بألفاظ أو زيادات بسيطة .