محمد سعيد رمضان البوطي

228

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار » . لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته ، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهّادا في طلب هذا الشيء . أرأيت إلى الفقير المحتاج ؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس ، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم . فلكل أدب ووظيفة ، ولا ينبغي أن نخلط بينهما ، أو ننسخ الواحد بالآخر فإن ذلك من أسوأ مظاهر التسرع والجهل . غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد أن لهذا الإكرام المشروع حدودا إذا تجاوزها ، انقلب الأمر محرما واشترك في الإثم كل من مقترفه والساكت عليه . فمن ذلك ما قد تجده في مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين عليهم وهم جلوس ، يقف الواحد منهم أمام شيخه في انكسار وذل مطرقا لا يطرف إلى أن يأذن له بالجلوس ، ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه . أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس . ولا يخدعنك ما قد يقال في تسويغ ذلك من أنه أسلوب من التربية للمريد ! . . فالإسلام قد شرع مناهج وأساليب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها ، وليس بعد الأسلوب النبوي في التربية من أسلوب يقرّ أو يعاج عليه . سادسا : ( مزايا خاصة لسعد بن معاذ ) ، وإنك لتقف خلال اطلاعك على هذه الغزوة ، على مزية كبرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي اللّه عنه ، فإنك لتجد ذلك أولا ، في إعطاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم له صلاحية الحكم بما يشاء على بني قريظة ، وجعل موقفه منه - وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - موقف الموافق والمؤيد لكل ما سيحكم به . ونجد ذلك ثانيا في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم للأنصار بالقيام إليه حينما أقبل إليهم ، وتلك مزية كبرى لسعد حينما يكون هذا الأمر صادرا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ثم تجد ذلك في قصة الجرح الذي كان قد أصابه في كاحله في غزوة الخندق . لقد رفع يديه يدعو اللّه تعالى يوم أن أصابه هذا الجرح قائلا : « اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلّى اللّه عليه وسلم ، وأخرجوه ، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك » وقد استجيب دعاء سعد فتحجر جرحه وتماثل للشفاء ، حتى كانت غزوة بني قريظة ، وجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الحكم فيهم إليه ، وكفى اللّه المؤمنين شرّ اليهود وتطهرت المدينة من أرجاسهم ، رفع سعد يده يدعو اللّه ثانية يقول : « اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ( يعني قريشا والمشركين ) فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها » ، وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه اللّه تعالى .