محمد سعيد رمضان البوطي
208
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل . إلا أن بعضا من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط ، ولعلهم تحرجوا عن القياس في ذلك ، واعتبروا المضغة أقرب إلى التخلق والذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق ، وهو تحرج لا يتضح سببه ، اللهم إلا أن يكون مبعث التحرج ضررا صحيا يلحق الحامل بسبب الإسقاط . إذا علمت هذا ، علمت الحكم الشرعي الذي يتعلق بتحديد النسل وهو اتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلا من العزل فهو جائز إذا اتبعت له الوسائل التي أجازها جمهور الأئمة ، بشرط أن لا يظن فيه أي ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة من الزوجين ، ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من أئمتنا الفقهاء رحمهم اللّه ، إلا ما روى من ذلك الحافظ ولي الدين العراقي ، عن الشيخ عماد الدين بن يوسف والشيخ عز الدين بن عبد السلام ، فقد روى عنهما القول بحرمة استعمال المرأة دواء ما ، من شأنه أن يمنع الحمل قال ابن يونس : « ولو رضي به الزوج » « 64 » . أقول وهذا الرأي محجوج بمقتضى دلالة السنة ، وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور . غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد ، أن الحكم بإباحة العزل أو عموم ما يسمى اليوم ، تحديد النسل ، منوط برضى كل من الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو أي توجيه من الخارج . إذ إن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة ، قد لا يجوز تشريعه بشكل إلزامي للجماعة ، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها . فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التي يراها . ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس ، أمرا إلزاميا أو أدبيا أو توجيها ، بأن يمارسوا هذا الحق ، فيطلقوا زوجاتهم . وتحديد النسل ، شأنه في ذلك شأن الطلاق تماما . وهذه القاعدة الهامة لا بد من أن تعيها وتفهمها جيدا ، كي لا يلبّس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين : « لقد أباحت السنة تحديد النسل » ، وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس - بما تراه من السبل - على ذلك . والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقا بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس والتمويه . فالخلاصة ، أن أمر العزل أو تحديد النسل ، إذا نظر إليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما يشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح ، أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت . ولكنه إذا نظر إليه ، على أساس أن يكون مبدأ يدعى إليه عامة ويغرى الناس به بناء على فلسفة توجيهية تنشط وسائل الإعلام والتوجيه في بثها ، فإنه يغدو حينئذ أمرا على جانب كبير
--> ( 64 ) انظر طرح التثريب وشرحه للحافظ العراقي : 8 / 62