محمد سعيد رمضان البوطي
209
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
من الأهمية والخطورة وهو يستدعي حينئذ من المسلمين أن ينشطوا في محاربته محاربة واعية فعالة ، تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التي يبيتها أعداء المسلمين للإجهاز عليهم . وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشكلات الإنتاج والاقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه . ثالثا : تدلنا معالجة النبي صلّى اللّه عليه وسلم للمشكلة التي استغلها عبد اللّه بن أبيّ بن سلول ، بالشكل الذي رأيناه ، على مدى ما قد آتاه اللّه من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم . لقد كان ما سمعه صلّى اللّه عليه وسلم من كلام ابن سلول مسوغا كافيا لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلم استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك ، وسمع عن اللغط الذي جرى ، والتناوش الذي وقع ، والجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به ، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة ، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر . فكان أن أمر القوم بالمسير في وقت لم يكونوا يعتادونه ، حتى يشغلهم السير عن الاجتماع على المحادثة والكلام . وظل يسير بهم بقية اليوم والليل كله وصدرا من اليوم الثاني ، لا يدع لهم مجالا يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدون من باطل ، فلما انحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شيء ، وذهب الجميع في سبات عميق . وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، إذا وصل إلى المدينة ، شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى في قتل عبد اللّه بن أبيّ بن سلول ، فلذلك جاء إليه ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه يعرض على الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أن يتولى هو قتل أبيه إذا كان يريد أن يحكم بذلك ، ولكنه فوجئ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بما لم يكن متوقعا حينما قال : « بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا » . وانظر إلى تعليل ذلك فيما قاله لعمر رضي اللّه عنه : « فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ » . ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن انحسر عن عبد اللّه بن أبيّ قومه فكانوا هم الذين يعنّفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئا ، وأنت خبير أن المنافق يعتبر في الأحكام القضائية الدنيوية مسلما مع وجوب الحيطة والحذر منه . وقبل أن تستغرق في التأمل فيما كان يتصف به صلّى اللّه عليه وسلم من البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور ، ينبغي أن أذكرك مرة أخرى ، بأن كل هذه الصفات إنما تأتي من وراء صفة النبوة فيه ، فهي كلها متفرعة عن كونه نبيا ورسولا إلى الناس ، ومن الخطأ الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته صلّى اللّه عليه وسلم ، دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول ، وهو نبوته ورسالته صلّى اللّه عليه وسلم . وتلك خطة - كما بيّنا ذلك سابقا - يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين