محمد سعيد رمضان البوطي
205
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وو اللّه ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه . وهوى حتى أناخ راحلته ، فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ، وهم نزول ، فهلك من هلك في شأني ، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد اللّه بن أبي بن سلول . قالت واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا ، والناس يفيضون في قول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أني لا أعرف من رسول اللّه عليه الصلاة والسلام اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة - ولم نكن قد اتّخذنا الكنف - فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ ! . قالت أولم تسمعي ما قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي . . وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله ، فمنهم من يقول : يا رسول اللّه هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، ومنهم من يقول : لم يضيق اللّه عليك ، النساء كثير ، واسأل الجارية - يعني بريرة - تصدقك . فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بريرة ، وسألها : هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير . فقام عليه الصلاة والسلام على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ؟ فو اللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا . فقام سعد بن معاذ ، فقال أنا أعذرك منه يا رسول اللّه . إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فتلاغط الناس في المسجد حتى أسكتهم رسول اللّه . ثم دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبواي عندي ، وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء . قالت : فتشهد حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه . قالت : فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقالته ، قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة . فقلت لأبي : أجب عني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال واللّه لا أدري ما أقول . فقلت لأمي : أجيبي عني ، فقالت واللّه ما أدري ما أقول ، فقلت : واللّه لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إني بريئة - واللّه يعلم أني برئية - لا تصدقوني في ذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - واللّه يعلم أني بريئة - لتصدقنني . إني واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ، قالت : ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي . قالت : فو اللّه ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل اللّه