محمد سعيد رمضان البوطي

206

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

عزّ وجلّ على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة أمّا اللّه فقد برّأك ، فقالت أمي : قومي إليه ( أي اشكريه ) ، فقلت : لا واللّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتي . قالت فأنزل اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ إلى آخر عشر آيات [ النور 24 / 11 ] . قالت : وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره ، فقال : واللّه لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل اللّه عز وجل : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله : أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النور 24 / 22 ] فقال أبو بكر : بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه . ثم خرج صلّى اللّه عليه وسلم إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل اللّه تعالى من القرآن في ذلك ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدهم « 61 » . العبر والدلالات : نأخذ من هذه الغزوة ما يلي : أولا : مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين ، بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة ، فأما السلب ( وهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه ) فيجوز أن يأخذه القاتل لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من قتل قتيلا فله سلبه » وأما الخمس فهو لمن ذكرهم اللّه تعالى في كتابه : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الأنفال 8 / 41 ] ، وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما كان يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا متفق عليه بين الأئمة في الأموال المنقولة ، أما الأرض فقد وقع في أمر تقسيمها خلاف عرضنا له عند الحديث عن أمر بني النضير . ثانيا : حكم العزل عند الجماع أو ( تحديد النسل ) . ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها ، كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل .

--> ( 61 ) رواه أبو داود وابن ماجة وابن إسحاق وغيرهم .