محمد سعيد رمضان البوطي
201
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
التي طافت على بيت جابر بن عبد اللّه . فقد استشهد والده في أحد ، فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه ، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا . وكأنما استشعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره ، مظهرا لحالته العامة هذه . . ( وقد كان من عادته صلّى اللّه عليه وسلم إذا سار مع صحبه في طريق ، أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى ) ، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت ، في طريق ليس معهما فيه ثالث . عرض عليه صلّى اللّه عليه وسلم شراء بعيره ، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه ، ثم سأله عن الزوجة والبيت ، في أسلوب فكه رقيق ، وراح يطمئن الزوج الجديد ، أنهم إذا وصلوا قريبا من المدينة أقاموا ساعات هناك ، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم ، فتسمع زوجته ، فتصلح له من شأنها ، وتهيء له البيت بزينته ونمارقه . وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول : « واللّه يا رسول اللّه ما لنا من نمارق ! » . . فيجيبه عليه الصلاة والسلام قائلا : « إنها ستكون » . صورة رائعة ، عن لطف معشره ، وأنس حديثه ، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه ، لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه صلّى اللّه عليه وسلم وغزواته وأسفاره ، ولكنها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها ، وغزواته التي قرأناها ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها ، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك ، وهيّئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنة وضيم في سبيل دينك وتحقيق شريعتك . خامسا : لابدّ من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة ، أمام خبر ذينك الصحابيين ، وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحراسته ، ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . لم يكن الجهاد عملا حركيا يقوم على أساس المقاومة المجردة ، ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة . إنما الجهاد - كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه بخالقه جلّ جلاله خاشعا مستغيثا متبتلا . وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربّه جلّ جلاله من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد . ولذلك ، كان من الطبيعي جدا بالنسبة لذلك الأنصاري ، ( عباد بن بشر ) رضي اللّه عنه ،