محمد سعيد رمضان البوطي
202
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربّه جلّ جلاله ، وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم . وكان من الطبيعي جدا أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحطّ في جسمه ، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه ، لأن بشريّته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربّه جلّ جلاله وقد غمرتها لذّة المناجاة بين العبد وخالقه . ولما ارتدّ شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه ، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به ، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيّعها بضياع حياته واستمرار سكوته . فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه . وتأمل يا أخي المسلم في قوله رضي اللّه عنه : « وأيم اللّه ، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها » ( أي الصلاة ) . تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل اللّه لأربابه بالنصر والفوز ، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة من حولهم . فقارن - ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى - بين ذلك الجهاد و ( الجهاد ) الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم . قارن ، لتقف على مدى عدالة اللّه في الأرض ، ولتعلم أن اللّه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون . ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلا أن لا يهلكنا اللّه بما فعل المبطلون ، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما . فلعل في ذلّ العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام اللّه ، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سئ الأعمال على نفوسنا . غزوة بني المصطلق وتسمى بغزوة المريسيع ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة ، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة ، ومن أبرز أدلة ذلك أن سعد بن معاذ كان حيا في هذه الغزوة ، وله ذكر في قصة الإفك التي سيأتي تفصيلها إن شاء اللّه ، وقد توفي سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة متأثرا بجرحه الذي أصيب به في الخندق ، وقد كانت