محمد سعيد رمضان البوطي

200

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ليرابطوا مكان إخوانهم ، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به صلّى اللّه عليه وسلم فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته ، ثم قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنّبي صلّى اللّه عليه وسلم ينتظرهم جالسا ، ثم سلّموا معه . والذي اقتضى هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين ، سببان اثنان : الأول : قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتلك فضيلة لا يصار إلى غيرها عند إمكان تحقيقها . الثاني : استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان ، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة . ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها ، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النّبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثالثا : قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو نائم تحت الشجرة . . . إلخ ، قصة ثابتة صحيحة كما رأيت ، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري جلّ جلاله وحفظه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم هي تزيدك يقينا بالخوارق التي أخضعها اللّه جلّ جلاله له عليه الصلاة والسلام مما يزيدك تبصرا ويقينا بشخصيته النّبوية ، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك - وقد أخذ السيف ورفعه فوق النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو أعزل غارق في غفلة النوم - أن يهوي به عليه فيقتله ، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، في قوله : من يمنعك مني ! ؟ . . فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل ؟ . . إن الذي طرأ . . هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره ، ألا وهو عناية اللّه وحفظه لرسوله ، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تيارا من الرجفة ، فيسقط من يده السيف . . ثم يجلس متأدبا مطرقا بين يدي رسول اللّه . وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة 5 / 67 ] . فليست العصمة المقصودة في الآية ، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه ، إذ تلك هي سنّة اللّه في عباده كما قد علمت . وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بعث لتبليغها . رابعا : إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد اللّه وما كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة ، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع أصحابه ، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه . فأنت إذا تأملت جيدا في هذه القصة التي سردناها ، علمت أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم كان متأثرا بالمحنة