محمد سعيد رمضان البوطي

177

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وهبّو مسرعين عائدين إلى مكة . وأقام النّبي صلّى اللّه عليه وسلم في حمراء الأسد : الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة » « 28 » . العبر والعظات : تنطوي غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين في كل عصر ، ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذي بيّناه ، أن يتكون منها درس تطبيقي عملي ، يعلّم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو ، وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة ، فلنقف على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها ، الواحدة إثر الأخرى : أولا : يتجلى هنا أيضا المبدأ الذي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأخذ به نفسه ، وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث . ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجده في المشاورة التي تمّت قبيل غزوة بدر . فقد لاحظنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة ، بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال ، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك . وربما كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم يميل - أو يظهر الميل - عند التشاور إلى البقاء في المدينة . ولعل الحكمة الجلية في هذا ، أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال ، وبعد ظهور النّبي صلّى اللّه عليه وسلم في قومه وأصحابه لابسا دروعه آخذا سلاحه ، شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصا في القضايا الحربية التي تحتاج - مع المشورة - إلى قدر كبير من الحزم والعزم . ثم إن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه صلّى اللّه عليه وسلم عن الخروج بعد أن طلع عليهم مستعدا لذلك ، إنما هو الضعف والاضطراب في الإرادة وهو كثيرا ما يكون نابعا من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما . ولذلك أجابهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عن كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم ، دون أن يلتفت إلى لغط القوم وتعاتبهم فيما بينهم ، قال : « ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل » . ثانيا : للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز . . ولم لا يكون مشهدهم بارزا فيها ، وهي إنما انطوت على حكم ومقاصد ، من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين ؟ وإن من وراء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين كانت ذخرا لهم فيما بعد . لقد رأينا كيف انخذل عبد اللّه بن أبي بن سلول بثلاث مئة من أتباعه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، بعد خروجهم من المدينة ، وسبب ذلك في ظاهر ما تذرع به : أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم إنما أخذ برأي الشبان الأغرار ، ولم يأخذ برأي أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى والأحلام . غير أن سبب ذلك في الحقيقة وواقع الأمر ، هو أنه لا يريد قتالا . لأنه لا يريد أن يعرّض نفسه لمخاوفه

--> ( 28 ) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري .