محمد سعيد رمضان البوطي
178
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومغباته . . وتلك هي أبرز سمات المنافقين : يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم ، ويبتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب ! . . وإنما الذي يمسكهم على الإسلام أحد شيئين : غنيمة يتوقعونها ، أو مصائب ومحن يتوقونها . ثالثا : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يشأ أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة ، على الرغم من قلة عدد المسلمين ، وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته : « لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك » « 29 » . وقد روى مسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه : « أتؤمن باللّه ؟ قال : لا ، قال : فارجع فلن أستعين بمشرك » . وقد ذهب جمهور كبير من العلماء ، بناء على هذا ، إلى أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في القتال ، وفصّل الإمام الشافعي في ذلك ، فقال : « إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ، وإلا فلا » « 30 » . ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلة ، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين ، والمسألة على ذلك داخلة في إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية . وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول في حنين وما فعله في كل من بدر وأحد ، في مناسبته إن شاء اللّه . رابعا : ومما يجدر التأمل فيه ، حال سمرة بن جندب ورافع بن خديج ، وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما على خمس عشرة سنة ، وكيف جاءا يناشدان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يسمح لهما بالاشتراك في القتال ، وأي قتال ؟ ! . قتال قائم على التأهب للموت ، لا تجد فيه أي معنى من التعادل بين الفريقين : المسلمون وعددهم لا يزيد على سبع مئة ، والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل . والعجيب حقا أن يقف بعض محترفي الغزو الفكري على مثل هذه الظاهرة ، فيذهبوا في تحليلها إلى أن العرب كانوا أمة تعيش في ظل الحروب والغزوات الدائمة ، فكانوا ينشؤون في أجوائها وظروفها ، ولذلك كانوا ينظرون إليها ( شيبا وشبانا وأطفالا ) نظرة طبيعية لا تسبب لهم قدرا بالغا من المخاوف . لا ريب أن أرباب هذا التحليل ، يغمضون أعينهم في إصرار عجيب ، أثناء هذا الكلام عن
--> ( 29 ) قد يقال : إن هؤلاء الذين عرضوا مشاركتهم مع المسلمين في القتال يهود من أهل الكتاب ، فكيف سماهم الرسول أهل الشرك . والجواب : أن إطلاق الشرك عليهم بمعنى غير المعنى الاصطلاحي الذي يطلق على الوثنيين من العرب وللشرك معنى عام يعتبر قدرا مشتركا يصدق على جميع الكافرين . ( 30 ) انظر مغني المحتاج : 4 / 221