محمد سعيد رمضان البوطي
176
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
عليه الصلاة والسلام حتى أثبتته الجراح ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أدنوه مني ، فوسّده قدمه ، فمات وخده على قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » . ثم إن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين ، وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه ، وفزع الناس لقتلاهم ، وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب ، واليمان ، وأنس بن النضر ، ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم ، وقد تأثر النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لمقتل عمه تأثرا كبيرا ، وقد مثّل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه . وأخذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم يجمع بين الرجلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول : « أيّهما أكثر أخذا للقرآن ؟ » ، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللحد ، وقال : « أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلوا » « 27 » . وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين ، وراح عبد اللّه بن أبي بن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين : « لو أطعتمونا ما قتل منكم من قتل » ، وأخذوا يتساءلون عن النصر الذي كانوا يتوهمونه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقا على إرجاف اليهود والمنافقين وبيانا لحكمة ما حصل في غزوة أحد ، وهي تبدأ بقوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إلى قوله تعالى : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران 3 / 149 - 168 ] . وانصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أحد مساء السبت ، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه ، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم . فلما صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصبح يوم الأحد ، أمر بلالا أن ينادي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس . . ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون ، ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد ( مكان من المدينة على بعد عشرة أميال ) فأوقد المسلمون هناك نيرانا عظيمة ، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها . ومرّ بهم معبد الخزاعي ( وكان يومئذ من مشركي خزاعة ) ثم تجاوزهم فمرّ على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لاقوه في أحد ، وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين ، وصفوان بن أمية ينهاهم . فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : « ما وراءك يا معبد ؟ فقال : ويحكم ! إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرّقا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ؟ » . . فأدخل اللّه بذلك رعبا عظيما في قلوب المشركين ،
--> ( 27 ) البخاري : 5 / 49