محمد سعيد رمضان البوطي
150
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة . ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرا زائدا على قرابة الإسلام وأخوته . ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقا بمؤاخاة أخرى أقامها النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين في مكة . قال ابن عبد البر : « كانت المؤاخاة مرتين : مرة بين المهاجرين خاصة ، وذلك بمكة ، ومرة بين المهاجرين والأنصار » « 12 » . وهذا يؤكد لنا أنّ مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام . غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة . فهي ليست في الحقيقة شيئا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة ، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق . الأساس الثالث ( كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم ) وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة . روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب ، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ، عدا أفرادا من قبيلة الأوس ، فكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم . وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد ، وذكره ابن خيثمة فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا كثير بن عبد اللّه بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار ، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق « 13 » ، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال : حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار . . إلخ « 14 » . ونحن لن نأتي بنص الكتاب كله ، فهو طويل ، ولكننا نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة والسلام ، كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع
--> ( 12 ) انظر فتح الباري : 7 / 191 ( 13 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس : 1 / 198 ( 14 ) انظر مسند أحمد : 21 / 10 شرح البنا .