محمد سعيد رمضان البوطي

145

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ثانيهما : أن للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ولاية في مثل هذه الأمور ، وأنه عليه الصلاة والسلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه وليا عاما لجميع المسلمين ، لا بوصف كونه فردا منهم . 3 - جواز نبش القبور الدارسة ، واتخاذ موضعها مسجدا إذا نظفت وطابت أرضها : ذكر الإمام النووي تعليقا على هذا الحديث فقال : فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض ، وجواز اتخاذ موضعها مسجدا ، إذا طيبت أرضه . كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست ، يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها ، وورثته من بعده إذا لم توقف « 7 » ، وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التي كانت في المربد أنها كانت قبورا قديمة دراسة ، فلا يتأتى فيها تصور الصديد والدم ، ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا . قلت : ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجدا ، إذا لم تكن الأرض وقفا ، أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وقفت له . 4 - حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها : والتشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه ، والنقش والزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة . فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة ، بدليل ما فعله عمر وعثمان رضي اللّه عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصلاة والسلام ، وهو وإن كان شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف . أي المنع من التشييد والتقوية ، إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد ، بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر اللّه تعالى . واستدل العلماء أيضا على ذلك بقوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة 9 / 18 ] ، والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به . وأما النقش والزخرفة ، فقد أجمع العلماء على كراهتهما ، ثم هم في ذلك بين محرّم ومكرّه كراهة تنزيه ، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش ، أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه ، وقد ذكر الزركشي نقلا عن الإمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ، ويغرم القيّم إن فعله ، فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين « 8 » .

--> ( 7 ) إعلام الساجد : 236 ( 8 ) هذا عند فقهاء الشافعية ، وأجاز ذلك الحنفية وغيرهم إذا اقتضت المصلحة .