محمد سعيد رمضان البوطي
146
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح . فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد أما الزخرفة والنقش فإن كلّا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة ، إذ من شأنه صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا ، على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها . وهذا ما نبه إليه عمر رضي اللّه عنه . فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال : « أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمّر أو تصفّر ، فتفتن الناس » . وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا ؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد : « ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه ، قال مالك ، وجوزه بعض العلماء ، وقال : لا بأس به ، لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه » « 9 » . ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم ، حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها ، حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية للّه عز وجل ، وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية ، وفنون الزخرفة العربية . ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين ، أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة ، لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره ، ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها ، فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكّرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره . فياللّه ، ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء .
--> ( 9 ) إعلام الساجد : ص 227