أحمد عبد الفتاح زواوي
60
شمائل الرسول ( ص )
الرفيعة عند ربه التي لا يعلوها أحد في الأولين والآخرين ، وأن الإرادة الحكيمة لله عز وجل قد اقتضت ألا يتوجه إليه صلى اللّه عليه وسلّم أي خطاب - ولو كان على لسان الكفار - فيه أدنى إيذاء أو شبهة تكذيب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فلو كان الكلام على لسان الكفار أو المنافقين دفع اللّه شبهة المعاندين وأبطلها ، كما بينت ذلك مفصلا في باب « دفع شبهات الكفار » ، وإن كان سياق الكلام حكاية من اللّه عز وجل عن أحوال المعاندين ، دفع اللّه عز وجل ما يوهم تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ودليله من آية الباب : أن المنافقين لما ذهبوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ليشهدوا أنه رسول الله ، ولما كانت هذه الشهادة التي قالوها بألسنتهم تنافي ما في قلوبهم من التصديق ، وأراد اللّه أن يكذبهم في شهادتهم دون أن ينسحب التكذيب على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ذكر القرآن الكريم جملة اعتراضية بين شهادة المنافقين ، وتكذيب اللّه عزّ وجلّ لهم في شهادتهم ، بقوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [ المنافقون : 1 ] ، وبذلك أثبت القرآن الكريم شهادة المنافقين وتكذيبها دون المساس بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، وهذا من أكبر الدلالات على عظيم قدر النبي صلى اللّه عليه وسلّم عند ربه . بعض فوائد الآية الكريمة : الفائدة الأولى : عناية اللّه - سبحانه وتعالى - بنبيه ، حيث ذكرت الآية علم اللّه برسالة النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبل أن تذكر كذب المنافقين في شهادتهم ، كأن اللّه - سبحانه وتعالى - أراد أن يقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم : لا يهمنك تكذيب المنافقين لك وإنكارهم رسالتك ، فإن ذلك لا يضيرك ، فيكفيك أن اللّه - سبحانه وتعالى - يعلم أنك رسوله ، فكفى باللّه شهيدا على ذلك . وفي هذا أبلغ تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وتطمينه أن تكذيب المنافقين له لا يقدح في رسالته . وهذه الفائدة تختلف عما ذكرته آنفا ، فتدبر . الفائدة الثانية : في الآية الكريمة بيان ظاهر لقبح ما عليه المنافقون ويظهر ذلك من : 1 - قوله تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ بينت الآية أن المنافقين هم الذين سعوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فهو لم يذهب إليهم ، ولم يستدعهم ، فكان حريّ بمن جاء بنفسه للشهادة من تلقاء نفسه ، أن يكون صادقا في شهادته وأن تكون هذه الشهادة مطابقة لما في قلبه ، ولكن جاء الأمر منهم عكس ذلك تماما . 2 - صيغة شهادتهم بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهي قول اللّه تعالى على لسانهم : قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وفيها :