أحمد عبد الفتاح زواوي
55
شمائل الرسول ( ص )
الشاهد الثاني : قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) [ عبس 1 - 10 ] ، لا خلاف في سبب نزول هذه الآية ، كما لا خلاف فيمن نزلت فيه الآية ، وتتشابه أقوال المفسرين في بيان ذلك ، وأكتفي بما قاله الإمام ابن كثير - رحمه اللّه تعالى - : ( ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كان يوما يخاطب أحد عظاماء قريش ، وقد طمع في إسلامه ، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم ، وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن شيء ويلحّ عليه ، وودّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته ، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل اللّه الآية ) . انتهى « 1 » . ثانيا : وجه اللطف في العتاب : وجه اللطف في هذا أن اللّه - سبحانه وتعالى - وجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم العتاب بصيغة ضمير الغائب ، قال تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) ، ولما انتهى العتاب وجه إليه الخطاب بصيغة المخاطب ، قال - تعالى - : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) [ عبس : 3 ] . . . إلى آخر الآيات ، وهذا يدل على عظيم حب اللّه - سبحانه وتعالى - لنبيه الكريم صلى اللّه عليه وسلّم ، وعظيم شفقته به أن توجّه إليه كلمة تحزنه مع بيان علو منزلته عند ربه ، قال الإمام القرطبي - رحمه اللّه - : ( أنزل اللّه على نبيه : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له ، ولم يقل : عبست وتوليت ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال : وَما يُدْرِيكَ ) « 2 » . بعض فوائد الآيات الكريمات : الفائدة الأولى : في الشمائل النبوية : 1 - عناية اللّه - سبحانه وتعالى - به صلى اللّه عليه وسلّم ويتبين ذلك من : أ - تربيته أحسن التربية ، حيث لامه - سبحانه وتعالى - في كل ما فعل مع ابن أم مكتوم رضي الله عنه ، ويتضمن أمرين : الأمر الأول : في الوجه وهو العبوس ، والثاني : بالجسد كله وهو الإعراض .
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 471 ) . ( 2 ) انظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 / 213 ) .